حول المخاطر التي تحيط بمبادئ بروكسل يرى حازم محسن سليمان -الباحث السياسي والقيادي في حزب الوسط- بداية دائما ما أخشى من الكيانات الكبيرة الضخمة؛ لأنها غالبا ما تكون تجمع على غير أيديولوجي؛ وهذا ليس ناجعا في كل الأحيان، فالقول بأننا نعادي الآن شيئا ولذا نتوحد ضده ثم نرى ماذا سيحدث بعد ذلك ليست تجربة تسير نحو النجاح تحت كافة الاحتمالات؛ خاصة أن الشارع يتحرك بالأيديولوجي في الكثير من الأحيان. وإذا ظن البعض أن ذلك التجمع رغم الاختلافات هو ما حدث في ثورة يناير وبالتالي من الممكن استنساخه؛ فإن الوقت والظروف قد تعدّت هذا بشدة، ومن الصعب إعادة هذا الإنتاج من جديد؛ خاصة أن الجماهير غير مستعدة لهذا، وفي هذا الإطار يجب التنويه أن الاعتماد الثوري ليس حتما أن يكون على الكيانات الضخمة والكبيرة، بل إن الحركات والكيانات الصغيرة من الممكن أن تحقق أثرا أكبر، وطبعا هذا لا يعني أن الكيان الكبير ليس له فرصة على الإطلاق؛ وإنما فقط هو محاط بالخطورة.
ويشدد "سلميان" –في تصريح لـ"الحرية والعدالة"- أيضا أن على المنضمين حديثا لجبهة معارضي الانقلاب عليهم أن يوضحوا وبصراحة ما هو دورهم بالتحديد؛ فقد جاء متأخرا وبعد ارتقاء آلاف الشهداء؛ فإذا كنا نرحب بكل معارض ضد الانقلاب أفاق من غفلته، فلا بد أن يكون ذلك بعد تأكيد صريح منه أنه معترف بأن من ارتقوا بعد كل تلك المذابح البشعة هم شهداء معترف بهم، ولا بد من القصاص لهم، ولا يصح أبدا أن نرى تجاوزا عن ذلك، أو مثلا يخرج البعض من هؤلاء المنضمين الجدد ليؤكد أن ما كان يمارسه الإخوان أو تحالف دعم الشرعية إرهابا، وهو لم ينضم لهم إلا بعد تغيير المسار أو الوعد بالتغيير، فهذا بالطبع سيكون طرحا غير مقبولا، فمن ينضم الآن عليه أن يعترف أنه انضم متأخرا ويتبرأ من كل ما يدعيه الانقلاب من إرهاب مؤيدي الشرعية وغيرهم، ويعترف بالشهداء وحقوقهم، وعليه كذلك أن يعترف بأن هناك مجهود كثيف تم بذله ما بين فعل ثوري وشهداء ومعتقلين، وهذا المجهود مشكور ومقدر، ومن ثم يبدأ في البناء عليه وليس تجاوزه.
وفي هذا الإطار يؤكد "سلميان" أن من ضمن الأمور التي لا بد أن تكون واضحة أن كل من ينضم تحت لواء تلك الجبهة لا بد أن يتأكد منه أنه معارض "للانقلاب" وليس معارضا سياسيا لـ"حكومة الانقلاب"؛ والفارق بينهما كبير، فكوني معارضا للانقلاب أي أني لم أعترف بأي من الممارسات السياسية اللاحقة التي أنتجها، ولكن معارضي حكومة الانقلاب فمثلهم مثل المعارضة في أي دولة ونظام له معارضون سياسيون، وليس هذا هو الوضع تماما في مصر. وإيضاح الفرق بين الأمرين يحتاج من الجبهة الجديدة إلى مجهود شفوي كبير حتى يستقر الأمر لدى القواعد على أنه معارضة للانقلاب في ذاته.
مضيفا أنه وإذا كانت المبادئ تلك تضع ملامح لأوضاع ما بعد الانقلاب، ففي الحقيقة كان لا بد لهذا من لغة وألفاظ أكثر قوة وحدة من التي جاءت؛ كان مفترض من الخطاب أن يتحدى الانقلابيين ويؤكد بقوة أنه واثق من النصر.
وفي السياق نفسه يرى "سليمان" أن هذا الكيان الجديد مبعثه تجديد الأمل والدماء، وتحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي، وهو بذلك كيان يبعث على الطمأنينة لكل القلقين مما سيحدث بعد الانقلاب، ومن ثم يلجئوا إلى القبول بالوضع الراهن كملاذ، ولذا كان دور هذا الكيان الجديد ليس الحديث عن كسر الانقلاب، ولكن تأكيد خطة الأحداث والمبادئ اللاحقة لكسره، وهذا في حد ذاته له هدفان؛ الأول اعتبار كسر الانقلاب مسلمة حتمية وكأنها منتهية ومسألتها وقت لا أكثر -بإذن الله- ومن جهة أخرى توضيح للرؤية بعد ذلك وتأكيد أنها ستكون جليّة المعالم وليست غامضة أو ملتبسة.
وحول وضع الكيانات السابقة المناهضة للانقلاب يقول "سليمان": إن الكيانات التي عملت منذ الانقلاب وإلى الآن وفي القلب منها تحالف دعم الشرعية، فقد أصبح الجميع متوقعين لكافة خطوات التحالف وما سيتخذه من ردود فعل كذلك فمهما كان المنضمون للتحالف فالجميع يصنفه على أنه يمثل الإخوان فقط، كما أنه قد لا يكون قادرا على التجدد أكثر من ذلك، وهذا قد يصيب الأمر بتوقف أو تبلد سياسي، ولذا فمن التكتيك صناعة فراغ سياسي محسوب؛ بأن نترك المجال لكيانات أخرى تتحرك في الشارع، وتأخذ تلك الكيانات الخطوات الجديدة وغير المتوقعة، أما انضمام التحالف تحت لواء الكيانات الجديدة فقد يكون ورادا أن يتماهى معها وأن يتحلل داخلها، وهذا لا يعني انهياره أو اختفاءه، وإنما قد يصل إلى أن يقود الكيانات الجديد من داخلها إن لم يخرج كيان آخر أقوى وأكثر تأثيرا منه، ولكن عليه أن يعطي الفرصة لأفكار وأطروحات ودماء جديدة، وهذا ليس تقليلا من شأن التحالف؛ بل على العكس فقد ثبت وأسهم في تثبيت الناس وقت أن تزلزل الجميع، ولكن الأوضاع قد تكون طويلة الأجل، وبالتالي لا تحتاج إلى كيان ثابت وكأنه منظمة أو مؤسسة مستمرة.
يتابع"سليمان" أنه قد يكون مطروحا من الناحية التكتيكية أخذ خطوات مناهضة للانقلاب بشكل مختلف؛ مثل أن يعلن الرئيس من داخل محبسه تكليفه لهذا الكيان الجديد بتشكيل حكومة، ومن ثم تتشكل الحكومة بالفعل ككيان مناهض في الخارج، وتعمل على الحصول على شرعية لها في دول العالم الخارجي، هذا فضلا عن أية تكتيكات أخرى مباغتة ومختلفة ومتطورة على الأرض.
أما عن عدم التجديد في الشخصيات التي أدارت الإعلان عن مبادئ بروكسل يرى "سليمان" أن المشكلة تكمن في الأساس في عدم وجود كوادر حقيقية قوية ومؤثرة وفي الوقت نفسه تقبل التعاون وتحمل كافة التبعات، فهي معادلة غاية في الصعوبة.
ويختتم "سلميان" بالإشارة إلى أن المبادئ لا بد أن تكون أكثر وضوحا مما جاءت عليه، وعلى القائمين على صياغتها أن يزيلوا اللبس الذي وقع في قلوب المتابعين حول قضية الشرعية، والتي لم يأت ذكرها، فهل كان المقصود مثلا بالديمقراطية شرعية الرئيس مرسي أم أمر آخر، لا بد أن تكون هذه الأمور غاية في الوضوح، والثابت –من وجهة نظري- في هذا الأمر أنه لا تنازل عن عودة المسار الديمقراطي والذي كان موجودا قبل الانقلاب، أما كيفية إعادة هذا المسار فلترنا المبادئ والكيان الجديد كيف سيكون، المهم أنه لا تنازل عن عودة المسار الديمقراطي، وإبطال الانقلاب.

