كتب موقع «ستريث أوف إسلام» أن حرب أكتوبر 1973 شكّلت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، إذ انتقلت مصر وسوريا خلالها من حالة «اللاحرب واللاسلم» إلى مواجهة عسكرية حققت في بدايتها اختراقًا مفاجئًا، قبل أن تتغير موازين المعركة وتتحول الحرب إلى مسار سياسي انتهى باتفاقات السلام والتطبيع العربي مع إسرائيل. ويرى المقال أن التحول الذي قاده أنور السادات بعد الحرب لم يقتصر على استعادة سيناء، بل أدى إلى إخراج مصر من المواجهة العربية الإسرائيلية وعزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي.
بعد هزيمة 1967، دخلت المنطقة مرحلة جديدة سُميت «اللاحرب واللاسلم». وخاضت مصر وإسرائيل اشتباكات متقطعة على طول قناة السويس عُرفت باسم حرب الاستنزاف، فيما تمكنت القوات الإسرائيلية من التوغل داخل الأراضي المصرية وقصف مناطق بعيدة، بالتزامن مع تنفيذ وحدات مصرية عمليات خاصة خلف الخطوط الإسرائيلية. وانتهت تلك المرحلة بعد قبول جمال عبدالناصر خطة روجرز لوقف إطلاق النار، ثم وفاته عام 1970 وتولي أنور السادات الرئاسة.
وخلال السنوات الثلاث الأولى من حكمه، عزز السادات سلطته وأطاح بمراكز القوى الناصرية في ما عُرف بـ«ثورة التصحيح» عام 1971. وبعد ذلك بعامين، شن الجيش المصري هجومًا عبر قناة السويس، وتمكن من إقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية ونشر أنظمة الدفاع الجوي، بينما هاجمت القوات السورية هضبة الجولان وحققت تقدمًا أوليًا مفاجئًا.
حرب أكتوبر 1973.. انتصار عسكري يتحول إلى مأزق سياسي
نجحت الخطة المصرية خلال الأيام الستة الأولى من الحرب، إذ حافظ الجيش المصري على المواقع التي حررها شرق القناة ولم يتقدم إلى عمق سيناء. ويرى المقال أن هذا التوقف كان جزءًا من الخطة، التي اعتمدت على استنزاف إسرائيل وإجبارها على خوض حرب طويلة لا تستطيع تحمل تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية.
لكن المشهد تغير عندما أصدر السادات، خلافًا لرأي القيادة العسكرية، أمرًا بالتقدم داخل سيناء. وأدى تجاوز القوات المصرية نطاق حماية أنظمة الدفاع الجوي إلى تعرضها لهجمات إسرائيلية مكثفة، وخسرت مصر في يوم واحد أكثر من نصف دباباتها، في واقعة عُرفت باسم «مذبحة الدبابات».
واستغل الجيش الإسرائيلي الثغرة التي ظهرت في صفوف القوات المصرية، فعبر إلى الضفة الغربية لقناة السويس وحاصر الجيش الثالث الميداني. ومع وصول القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة، أصبح الطريق إلى القاهرة مفتوحًا، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بقوة لفرض وقف إطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية.
ويصف المقال نتيجة الحرب بأنها، في أفضل الأحوال، تعادل عسكري، ويرى أنها يمكن أن توصف أيضًا بأنها انتكاسة عسكرية للجيش المصري بعدما امتصت إسرائيل الصدمة الأولى واستعادت زمام المبادرة. وينتقد الكاتب الرواية التي ترسخت لدى قطاعات واسعة من المصريين بشأن تحقيق «انتصار كامل»، مشيرًا إلى أن مذكرات قادة عسكريين بارزين، مثل الفريق سعد الشاذلي والفريق عبدالمنعم الجمسي وقادة الجيشين الثاني والثالث، لا تدعم هذه الرواية.
ويطرح المقال سؤالًا محوريًا حول الهدف الحقيقي للسادات: هل كان يريد تحرير الأراضي المحتلة عسكريًا ثم فوجئ بقدرة إسرائيل على الصمود والدعم الأمريكي لها؟ أم أنه خطط منذ البداية لحرب محدودة تكسر حالة «اللاحرب واللاسلم» وتمنحه ما يكفي من شرعية سياسية لبدء مفاوضات السلام مع إسرائيل؟
ويرجح المقال الاحتمال الثاني، مستندًا إلى شهادات عدد من قادة حرب أكتوبر الذين قالوا إن السادات أخبرهم قبل الحرب بأنه يريد تحرير «عشرة سنتيمترات» شرق قناة السويس، ثم يترك الباقي له. وسجل وزير الحربية الأسبق الفريق أول محمد فوزي هذه العبارة في مذكراته، كما أوردها قادة آخرون.
ويستشهد المقال كذلك بإقدام السادات على طرح فكرة السلام والاستعداد لزيارة إسرائيل قبل أن تتضح نتيجة المعركة. ففي الوقت الذي كان فيه البعض ينتظر تقدم الجيش المصري نحو سيناء أو حتى تحرير القدس، فاجأ السادات الجميع بإعلانه استعداده للسلام وزيارة إسرائيل.
ويعتبر الكاتب أن إصرار السادات خلال مفاوضات كامب ديفيد على إتمام الاتفاق، رغم الاعتراضات والاستقالات داخل حكومته، يمثل دليلًا إضافيًا على أن الحرب كانت جزءًا من مسار سياسي أوسع. كما يشير إلى أن السادات وصف حرب أكتوبر بأنها «آخر الحروب»، وهو خطاب يرى المقال أنه أضعف الموقف التفاوضي المصري.
ويضيف أن السادات تجاهل خلال مرحلة التفاوض انتهاكات إسرائيلية، من بينها قصف المفاعل النووي العراقي وإعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، في الوقت الذي كان يؤكد فيه أن السلام مع إسرائيل سيحقق الازدهار للعالم العربي.
ويربط المقال ذلك أيضًا بالتحول الداخلي الذي قاده السادات، إذ ابتعدت مصر تدريجيًا عن المعسكر السوفيتي واتجهت بقوة نحو الغرب سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
وبناءً على هذه المعطيات، يخلص الكاتب إلى أن حرب أكتوبر كانت، في جانب منها، وسيلة سياسية لإدخال إسرائيل إلى العالم العربي بصورة تحفظ للسادات مظهر الانتصار بدلًا من الظهور بمظهر المهزوم. ويستشهد المؤلف بالمؤرخ الأمريكي إيرا إم. لابيدوس، وبالسفير الإسرائيلي الثاني لدى مصر موشيه ساسون، الذي رأى أن السادات لم يكن قادرًا على السير في طريق السلام من دون «صورة النصر» التي وفرتها له حرب أكتوبر.
من كامب ديفيد إلى التطبيع.. خروج مصر من المواجهة
رغم أن السادات لم يكن أول زعيم عربي يبحث عن السلام مع إسرائيل، فإنه كان أول من نجح في تحويل هذا المسار إلى سلام علني ورسمي. فقد سبقت كامب ديفيد علاقات سرية بين إسرائيل وعدد من القادة العرب، من بينهم الملك عبدالله ملك الأردن وحفيده الملك حسين، والملك الحسن الثاني في المغرب ومسؤولون بارزون في نظامه.
لكن السادات نقل العلاقات من القنوات السرية إلى التطبيع الرسمي. وبعد سلسلة طويلة من المفاوضات، وقعت مصر وإسرائيل اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام عام 1979.
ويرى المقال أن الاتفاق أوجد واقعًا جديدًا في سيناء. فقد جرى نزع الطابع العسكري عن مساحات واسعة من شبه الجزيرة، وقُيد انتشار القوات المصرية، ما جعل قدرة إسرائيل على إعادة احتلال سيناء أسرع من قدرة مصر على الدفاع عنها في حال اندلاع مواجهة جديدة.
كما منح الاتفاق الإسرائيليين حق دخول سيناء من دون تأشيرة، وبدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى مجالات اقتصادية وثقافية وأمنية وعسكرية.
اغتيل السادات في 6 أكتوبر 1981، لكن خلفه حسني مبارك واصل سياسة السلام مع إسرائيل طوال ثلاثين عامًا. ولم تؤد الانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة، بما فيها اجتياح بيروت والحروب ضد الفلسطينيين، إلى تغيير جوهري في السياسة المصرية.
ويعتبر المقال أن أخطر نتائج التطبيع المصري الإسرائيلي تمثلت في انسحاب مصر من الصراع الأوسع حول فلسطين. فقد تراجعت فكرة القومية العربية لصالح مفهوم أكثر ضيقًا لـ«وطنية الدولة»، وأصبح الخطاب الرسمي يؤكد أن القضية الفلسطينية شأن فلسطيني، بعدما استعادت مصر أراضيها وأصبح على الفلسطينيين حل قضيتهم بأنفسهم.
ويقسم الكاتب مسارات التطبيع العربي مع إسرائيل إلى ثلاثة مسارات رئيسية: تطبيع علني ورسمي كما حدث مع مصر، وعلاقات سرية غير معلنة بين أجهزة وأنظمة عربية وإسرائيل، ثم مبادرات عربية تدعو إلى سلام شامل مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل حرب 1967.
وظهرت المبادرة العربية للسلام للمرة الأولى بصورة واضحة في مبادرة الأمير فهد بن عبدالعزيز عام 1981، ثم أُعيد طرحها في قمة فاس عامي 1981 و1982، قبل أن يعيد الملك عبدالله طرح الإطار نفسه في قمة بيروت عام 2002. لكن إسرائيل تجاهلت المبادرة في المرتين.
وبعد أكثر من أربعة عقود، ظهرت موجة جديدة من التطبيع تحت اسم «اتفاقات أبراهام»، عقب انهيار موجة الانتفاضات العربية. وبدأت الإمارات المسار رسميًا، ثم انضمت البحرين والمغرب والسودان. كما استمرت الاتصالات بشأن احتمال تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، لما تمتلكه الرياض من ثقل اقتصادي وديني وسياسي.
عزلة فلسطين.. وتراجع القوة العربية أمام إسرائيل
يرى المقال أن الأثر الأكبر للسلام المصري الإسرائيلي وقع على القضية الفلسطينية. فمصر، رغم كونها دولة واحدة بين 23 دولة عربية، تمثل نحو ربع سكان العالم العربي، وتاريخيًا كانت القوة العسكرية العربية الأبرز. لذلك، لم يكن خروجها من الصراع مجرد انسحاب دولة واحدة، بل فقدان جزء ضخم من القوة العسكرية والسياسية العربية.
وتزداد أهمية مصر بسبب موقعها الجغرافي المباشر إلى جانب فلسطين وإسرائيل، ما جعل انسحابها من المواجهة تحولًا استراتيجيًا بالغ التأثير.
ويشير المقال إلى أن الفلسطينيين كانوا يعتقدون قبل كامب ديفيد أن أي تسوية عربية مع إسرائيل لن تحدث من دونهم، وهو ما عبر عنه صلاح خلف «أبو إياد» في مذكراته. لكن السلام المصري الإسرائيلي غيّر المعادلة، وأصبح الفلسطينيون أمام واقع إقليمي جديد تراجعت فيه المساندة العربية الرسمية.
وفي أعقاب التطبيع، تعززت قدرة إسرائيل على التحرك العسكري في المنطقة. ففي عام 1980، جرت محاولة لإحراق المسجد الأقصى، وأعلنت إسرائيل القدس «عاصمتها الأبدية والموحدة». وفي عام 1981، قصفت المفاعل النووي العراقي، ثم اجتاحت لبنان عام 1982 ووصلت قواتها إلى بيروت.
وخلال الاجتياح، وقعت مجازر ضد اللاجئين الفلسطينيين، كان أبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا في سبتمبر 1982، التي أودت بحياة آلاف الفلسطينيين. ويرى الكاتب أن أزمة لبنان كشفت بوضوح مدى أهمية مصر بالنسبة إلى ميزان القوى العربي الإسرائيلي، إذ أصبح تحييدها بمثابة ضوء أخضر أمام إسرائيل للتحرك عسكريًا في المنطقة.
ولم تتخذ مصر إجراءات عسكرية أو سياسية كبيرة لردع إسرائيل، حتى بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، واكتفى ردها الدبلوماسي بسحب سفيرها من إسرائيل، مع نقل رسائل إلى واشنطن تؤكد عدم تصعيد الموقف.
كما تخلت مصر عن مسؤوليتها التاريخية تجاه قطاع غزة، الذي كان خاضعًا للإدارة المصرية قبل احتلال إسرائيل له عام 1967، وأصبح القطاع يُعامل باعتباره قضية فلسطينية خالصة.
ويصف المقال هذا المسار بأنه أدخل فلسطين في حالة من «اليُتم» السياسي، بعدما فقدت القضية مظلتها العربية والإسلامية تدريجيًا. فمنذ الاحتلال البريطاني وسقوط الخلافة العثمانية، تراجعت المسؤولية الإسلامية الجامعة عن فلسطين، ثم جاءت الأنظمة القومية العربية التي رفعت شعارات التضامن مع القضية من دون أن تنجح في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وصولًا إلى هزيمة 1967 ووقوع غزة والضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ثم جاءت مرحلة التطبيع العربي، التي يرى الكاتب أنها كرست التخلي الرسمي عن فلسطين.
لكن المقال يذهب أبعد من وصف هذا المسار بأنه مجرد «تخلٍّ»، إذ يرى أن الوثائق والشهادات التاريخية تكشف، بحسب روايته، عن تعاون وتواطؤ بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل، بهدف الحفاظ على أنظمة الحكم وتأمينها حتى على حساب القضية الفلسطينية وأجزاء من الأراضي العربية.
وفي ظل هذا الواقع، توسعت المستوطنات الإسرائيلية، وتعزز الوجود الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، واستولت إسرائيل على مساحات واسعة من الأراضي والمياه والموارد الفلسطينية. كما خضع الفلسطينيون لضغوط اقتصادية دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى العمل داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
ورغم اختلال ميزان القوى الإقليمي والدولي، واستمرار الدعم الغربي لإسرائيل، لم تختفِ المقاومة الفلسطينية. فقد دفعت سنوات اتفاقات السلام والتطبيع الفلسطينيين إلى البحث عن مسارات جديدة لاستعادة أرضهم وفرض قضيتهم على الأجندة الإقليمية والدولية.
ويختتم المقال بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستتناول بالتفصيل كيف تطورت المقاومة الفلسطينية بعد مرحلة السلام والتطبيع، وكيف انتقلت القضية من حالة العزلة الإقليمية إلى موجة جديدة من المواجهة.
https://strengthofislam.com/1973-october-war-arab-normalization/

