يواصل الريال الإيراني انهياره تحت ضغط الحرب والحصار البحري الأمريكي وتراجع قدرة طهران على تصدير النفط، ليسجل مستوى تاريخيًا جديدًا اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال، في ضربة جديدة لاقتصاد أنهكته العقوبات والتضخم.
ويضع الهبوط المتسارع ملايين الإيرانيين أمام أزمة معيشية أكثر قسوة، بعدما تجاوز التضخم 70%، بينما ترتفع أسعار السلع والسكن وتتآكل المدخرات والأجور، في وقت تحاول فيه السلطات وقف نزيف العملة بضخ مليارات الدولارات في السوق.
وجاء تدخل البنك المركزي الإيراني عبر البنوك الحكومية لبيع ما يصل إلى ملياري دولار في محاولة لدعم الريال، لكن استمرار الضغط على العملة يعكس حجم الأزمة التي تتجاوز المضاربات إلى حصار يضرب صادرات النفط، أهم مصادر العملة الأجنبية لطهران.
وفي المقابل، تواصل واشنطن تشديد الخناق الاقتصادي والبحري على إيران، في محاولة لحرمانها من عائدات النفط ودفعها إلى تقديم تنازلات، بينما تتمسك طهران بشروطها المتعلقة بإنهاء الحصار وفتح مضيق هرمز.
الريال يسجل قاعًا تاريخيًا
وصل سعر بيع الدولار في السوق الحرة إلى نحو 2.688 مليون ريال، مقارنة بنحو 2.632 مليون في اليوم السابق، بينما أظهرت تقديرات أخرى وصوله إلى نحو 2.695 مليون ريال لكل دولار.
ويكشف هذا المستوى مقدار التدهور الذي ضرب العملة الإيرانية، بعدما فقد الريال أكثر من نصف قيمته خلال عام واحد، لتصبح العملة المحلية واحدة من أبرز ساحات الضغط الاقتصادي في المواجهة بين طهران وواشنطن.
ومع استمرار الهبوط، اندفع عدد من الإيرانيين إلى شراء الدولار والعملات الأجنبية والذهب باعتبارها ملاذات لحماية المدخرات، وهو ما يضاعف بدوره الطلب على النقد الأجنبي ويضيف مزيدًا من الضغوط على الريال.
ولا تقتصر آثار انهيار العملة على شاشات الصرف والأسواق المالية، إذ تنعكس مباشرة على أسعار الغذاء والإيجارات والاحتياجات اليومية، بينما تتراجع القوة الشرائية للمواطنين كلما سجل الدولار مستوى قياسيًا جديدًا.
كما أصبحت الأسر التي تتقاضى دخولها بالريال أكثر تعرضًا لخسائر متتالية، لأن ارتفاع أسعار السلع المستوردة أو المرتبطة بالدولار يلتهم جانبًا متزايدًا من الدخول التي لا تستطيع مجاراة معدلات التضخم المرتفعة.
مليارا دولار لوقف الانهيار
وأمام موجة التراجع الجديدة، بدأت البنوك الحكومية الإيرانية بيع ما يصل إلى ملياري دولار بهدف زيادة المعروض من النقد الأجنبي ومحاولة الحد من انهيار سعر الصرف في السوق.
ويعكس حجم التدخل مخاوف السلطات من تحول تراجع العملة إلى أزمة أشد، خصوصًا أن استمرار انخفاض الريال يغذي التضخم ويرفع تكلفة الواردات ويزيد مخاوف المواطنين على قيمة أموالهم ومدخراتهم.
لكن ضخ الدولار لا يعالج وحده جوهر الأزمة، في ظل استمرار القيود المفروضة على صادرات النفط وحركة التجارة الخارجية، وهي المصادر التي تحتاجها إيران باستمرار للحصول على العملة الصعبة وتمويل وارداتها.
ومن هنا يجد البنك المركزي نفسه أمام معركة صعبة؛ فكلما تدخل ببيع الدولار قد يتمكن من تهدئة السوق لفترة، لكن استمرار الحصار وتراجع تدفقات النقد الأجنبي يعيدان الضغط على العملة من جديد.
ويزداد الموقف صعوبة مع تجاوز التضخم مستوى 70%، ما يعني أن أزمة الريال تتحرك بالتوازي مع ارتفاع واسع للأسعار، لتصبح السياسة النقدية مطالبة بمواجهة انهيار العملة والتضخم في وقت واحد.
الحصار يضرب شريان النفط
وتتمثل إحدى أخطر نقاط الأزمة في الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية الجنوبية، إذ يسعى إلى تعطيل صادرات النفط التي تمثل شريانًا رئيسيًا للحصول على الدولار وتمويل الاقتصاد.
وتواصل الإدارة الأمريكية التأكيد على صرامة الحصار، في إطار استراتيجية تستهدف تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران ومنعها من استخدام عائدات صادرات الطاقة في تمويل الدولة ومواصلة المواجهة.
وأجبر الضغط البحري إيران على البحث عن مسارات بديلة للتجارة وتصدير النفط، بما في ذلك تعزيز الاعتماد على طرق تمر عبر بحر قزوين شمال البلاد، إلا أن هذه البدائل لا تعوض بسهولة قدرة الموانئ الجنوبية.
كما يزيد استمرار إغلاق وتعطل المسارات المرتبطة بمضيق هرمز من تعقيد المشهد، بعدما أصبح الممر البحري الحيوي جزءًا من المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية بين إيران والولايات المتحدة.
وتتحول بذلك الحرب من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب استنزاف مالي، يصبح فيها سعر الريال وعائدات النفط وقدرة الإيرانيين على تحمل الغلاء أدوات ضغط لا تقل تأثيرًا عن التحركات العسكرية.
طهران تتهم واشنطن بحرب نفسية
وحاول البنك المركزي الإيراني احتواء حالة الذعر في الأسواق، إذ قال مهدي دارابي، مساعد محافظ البنك للشؤون المتعلقة بالنقد الأجنبي، إن جانبًا من انهيار العملة يرتبط بما وصفه بالتوقعات المضللة التي يروج لها مسؤولون أمريكيون.
ويرى دارابي أن الحديث الأمريكي المتكرر عن اقتراب انهيار الاقتصاد الإيراني يستهدف التأثير في توقعات المواطنين والمتعاملين ودفعهم إلى التخلي عن الريال والاندفاع نحو العملات الأجنبية، مؤكدًا أن التراجع الحالي مؤقت.
لكن الواقع في الأسواق يضع هذه التطمينات أمام اختبار قاسٍ، بعدما واصل الدولار تسجيل مستويات قياسية رغم تدخل البنك المركزي، بينما أصبح ارتفاع الأسعار جزءًا يوميًا من الأزمة التي تواجه الأسر الإيرانية.
كما أن فقدان أكثر من نصف قيمة العملة خلال عام لا يمكن عزله عن الضغوط التي تواجه مصادر الدخل الخارجي للدولة، خصوصًا النفط، ولا عن ارتفاع الطلب الداخلي على الدولار والذهب هربًا من تراجع القوة الشرائية.
المواطن يدفع فاتورة المواجهة
ويبقى المواطن الإيراني الطرف الأكثر تعرضًا لخسائر الأزمة، إذ إن التضخم الذي تجاوز 70% يعني ارتفاعًا سريعًا في تكلفة الطعام والسكن والاحتياجات الأساسية، بينما تفقد الرواتب والمدخرات جزءًا متزايدًا من قيمتها.
وتزداد الضغوط مع كل هبوط جديد للريال، لأن السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج ترتفع تكلفتها، وهو ما ينتقل بدوره إلى الأسواق والأسعار حتى بالنسبة إلى منتجات يجري تصنيعها محليًا.
أما بالنسبة إلى أصحاب المدخرات، فقد أصبحت الاحتفاظات النقدية بالريال مخاطرة متزايدة، وهو ما يفسر اتجاه المواطنين إلى الدولار والذهب رغم أن هذا السلوك نفسه يضيف ضغطًا جديدًا على العملة المحلية.
وبذلك تدخل إيران دائرة شديدة القسوة؛ حصار يقلص عائدات النفط، وعملة تتهاوى، وتضخم يتجاوز 70%، ومواطنون يبحثون عن الدولار، بينما يضطر البنك المركزي إلى استنزاف جانب من موارده في محاولة لوقف الانهيار.
وفي النهاية، يصبح وصول الدولار إلى قرابة 2.7 مليون ريال أكثر من مجرد رقم قياسي جديد، فهو مؤشر على حجم الثمن الاقتصادي الذي تدفعه إيران في مواجهة طويلة لم تعد آثارها محصورة في ساحات الحرب أو صادرات النفط.
وبين ملياري دولار يضخهما البنك المركزي وحصار أمريكي يستهدف خنق صادرات النفط، يقف الريال في قلب معركة استنزاف مفتوحة، بينما يتحمل الإيراني العادي العبء المباشر في صورة غلاء متصاعد ومدخرات تتآكل وعملة تفقد قيمتها يومًا بعد آخر.

