فتحت قضية اتهام أربعة أشخاص بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على نحو 14 مليون جنيه من أموال شركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف ملفًا بالغ الخطورة، ليس بسبب حجم الأموال وحده، وإنما لأن الوقائع المنسوبة إليهم امتدت لسنوات داخل كيان يعمل في إدارة وتنمية استثمارات الوقف.
وتصبح القضية أكثر فداحة عندما تكشف أوراق الإحالة عن اتهامات تتعلق بشيكات وطلبات صرف وتحويلات مصرفية ومستندات مراجعة مالية، بما يطرح سؤالًا مباشرًا عن منظومة الرقابة التي كان يفترض أن تكشف هذه المخالفات قبل امتدادها من عام 2018 وحتى يوليو 2024.
كما أن الحديث الرسمي المتكرر عن تعظيم عوائد الوقف والإدارة الرشيدة لأصوله يصطدم هنا بواقعة تحيلها نيابة الأموال العامة إلى القضاء، وتضع موظفين ومسؤولين ماليين أمام اتهامات تتعلق بأموال يفترض أن تخضع لأعلى درجات الحماية والانضباط. والشركة نفسها مدرجة رسميًا ضمن الجهات التابعة لوزارة الأوقاف وتعمل في تنمية واستثمار أموال الوقف.
ولا تقف خطورة القضية عند حدود أربعة متهمين، وإنما تمتد إلى السؤال عن الرقابة المؤسسية نفسها: كيف أمكن، وفق الاتهامات، تمرير شيكات وتحويلات ومستندات مزورة على مدار سنوات قبل اكتشاف الفروق من خلال بلاغ وفحص الحسابات البنكية؟
أموال الوقف وسط اتهامات بالملايين
تعود وقائع القضية رقم 44 لسنة 2026 جنايات أموال عامة عليا إلى اتهام أربعة أشخاص بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على أموال شركة المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف، إلى جانب تزوير محررات واستخدامها في تنفيذ عمليات صرف وتحويلات مالية.
وشملت الاتهامات علاء كمال، المدير المالي لقطاع الاستثمار العقاري بالشركة، وأشرف فتحي وحمادة عبد الخالق، وهما محاسبان، إلى جانب المقاول سمير فهيم، بينما بلغ إجمالي الأموال محل الاتهامات نحو 13 مليونًا و941 ألفًا و290 جنيهًا.
وتكتسب القضية حساسية إضافية لأن المجموعة الوطنية ليست شركة بعيدة عن منظومة الأوقاف، بل تقدمها وزارة الأوقاف باعتبارها إحدى أذرع الاستثمار الوقفي المكلفة بتنمية الأصول وتحقيق عوائد تدعم المجتمع.
وبذلك لا يصبح السؤال متعلقًا فقط بكيفية خروج الملايين، وإنما بكيفية عمل الرقابة الداخلية والمراجعة المالية في مؤسسة تتعامل مع أموال ذات طبيعة شديدة الحساسية يفترض أن تكون محاطة بضوابط تمنع مجرد العبث بمستندات الصرف.
ووفق أمر الإحالة، اتهمت النيابة المدير المالي بتسهيل استيلاء المقاول على مليونين و287 ألفًا و420 جنيهًا من أموال الشركة، من خلال إثبات استحقاقات مالية مقابل أعمال بمشروع «طيبة جاردنز» على خلاف الحقيقة.
كما أسندت التحقيقات إليه اتهامات بتزوير بيانات المواقف المالية للمقاولين وطلبات وأذون الصرف والشيكات وموازين المراجعة الشهرية خلال فترة امتدت من مايو 2018 حتى ديسمبر 2021.
وإذا ثبتت هذه الوقائع قضائيًا، فإنها تعني أن الخلل لم يكن عملية صرف منفردة عبرت في لحظة، وإنما مسارًا امتد داخل دورة مالية كاملة تشمل إعداد المستندات ومراجعتها واعتمادها وصرف الأموال.
شيكات تمحى وتحويلات للحسابات
وتزداد تفاصيل القضية خطورة مع اتهام علاء كمال بالاستيلاء على 3 ملايين و465 ألف جنيه، باستخدام شيكات جرى تسجيل أسماء المستفيدين فيها بحبر قابل للمحو قبل الحصول على توقيعات المسؤولين المفوضين.
وبحسب أوراق القضية، كانت بيانات المستفيدين تمحى بعد الحصول على التوقيعات، ثم تضاف بيانات المقاول سمير فهيم، لتنتقل الأموال من حسابات الشركة إلى حسابه قبل إعادة تحويل مبالغ إلى حسابات تخص كمال وزوجته.
كما شملت الاتهامات في هذه الواقعة تزوير تسعة شيكات مصرفية ونموذجي تحويل نقدي داخلي وطلبات وأذون صرف ومستندات للمراجعة الشهرية، إلى جانب مستندات وكشوف حسابات مصرفية.
ولا تكمن الصدمة هنا في وسيلة التزوير وحدها، بل في أن شيكًا يمر داخل مؤسسة يفترض أن تحكمها قواعد مالية صارمة يمكن، وفق الاتهام، أن يتحول بعد توقيعه إلى أداة لنقل الأموال إلى مستفيد آخر دون أن توقفه آليات الرقابة في الوقت المناسب.
وفي واقعة أخرى، اتهمت النيابة كمال بالاستيلاء على 4 ملايين و320 ألفًا و870 جنيهًا عبر 14 حركة مصرفية جرى خصمها من حسابات قطاع الاستثمار العقاري لدى بنك الكويت الوطني.
ووفق التحقيقات، استغل المتهم اختصاصه وتفويضه بالتوقيع الثاني، وأثبت أسماء مستفيدين بحبر يمكن محوه، ثم عدّل البيانات بعد الحصول على التوقيعات وأدخل بياناته الشخصية قبل تقديم الشيكات للبنك.
كما نسبت إليه النيابة تحويل الأموال إلى حساباته لدى البنك الأهلي المصري وبنك مصر، مع تزوير 12 شيكًا ونموذجي تحويل نقدي ومستندات وكشوف حسابات بنكية وقسيمة إيداع تجاوزت قيمتها 2.5 مليون جنيه.
أين كانت الرقابة طوال السنوات؟
وتضع هذه التفاصيل الرقابة الداخلية في قلب القضية، لأن الوقائع المنسوبة للمتهمين لم تقع خلال أيام قليلة، بل امتدت وفق التحقيقات على سنوات، وهو ما يطرح سؤالًا لا يمكن دفنه خلف محاكمة الموظفين وحدهم.
فإذا كانت كشوف حسابات مصرفية داخل ملفات الإدارة المالية تختلف عن الكشوف الصحيحة الواردة من البنك، كما ورد في أقوال مسؤولي الشركة، فالسؤال يصبح: كيف استمر هذا الاختلاف دون اكتشاف مبكر خلال عمليات المطابقة والمراجعة الدورية؟
كما أن اكتشاف الواقعة، وفق الشهادات الواردة في التحقيقات، بدأ بعد بلاغ مجهول بشأن تحويلات مالية، أعقبه إبلاغ هيئة الرقابة الإدارية وفحص كشوف الحسابات، لتظهر فروق بين المستندات الموجودة بالشركة والبيانات الفعلية لدى البنك.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل القضية اختبارًا لنظام الرقابة بأكمله، لأن المؤسسة التي تحتاج إلى بلاغ خارجي لكشف فروق مالية داخل حساباتها مطالبة بمراجعة فعالية نظم التدقيق التي كان يفترض أن تعمل قبل وصول الأمر إلى هذه المرحلة.
كما أسند أمر الإحالة إلى المتهم الرئيسي تهمة تسهيل استيلاء المقاول على 3 ملايين و877 ألف جنيه أخرى، عن طريق شيكات مصرفية وتحويلات من حسابات الشركة إلى حساب المقاول.
وامتدت الاتهامات كذلك إلى المحاسبين أشرف فتحي وحمادة عبد الخالق، إذ نسبت إليهما النيابة الاشتراك بالاتفاق والمساعدة في تسهيل الاستيلاء على أكثر من 2.2 مليون جنيه من أموال الشركة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد وزارة الأوقاف في خطابها الرسمي أهمية «الإدارة الرشيدة» وتعظيم الاستفادة من أصول الوقف، وهو ما يجعل القضية امتحانًا عمليًا لهذا الخطاب، وليس مجرد ملف جنائي يمكن إغلاقه عند حدود المتهمين الأربعة.
فحماية مال الوقف لا تبدأ بعد اكتشاف ملايين مفقودة وإحالة متهمين إلى القضاء، وإنما تبدأ من نظام مالي قادر على منع التلاعب، ومراجعة الشيكات، ومطابقة كشوف البنوك، وملاحقة أي فروق قبل أن تتحول إلى ملايين وتستمر لسنوات.
كما أن المحاسبة الحقيقية لا ينبغي أن تقف عند الموظف الذي تتهمه النيابة بالتلاعب، بل يجب أن تفحص مسار الرقابة والإشراف الذي سمح، وفق أمر الإحالة، بمرور هذا العدد من الشيكات والحركات البنكية والمستندات محل الاتهام.
وتبقى القضية في النهاية أمام القضاء، والاتهامات الواردة في أمر الإحالة لا تمثل إدانة نهائية لأي من المتهمين قبل صدور حكم قضائي بات، لكنها في الوقت نفسه تكشف حاجة ملحة إلى إجابات مؤسسية عن كيفية حماية أموال الوقف ومن يراجع من يتولى إدارتها.
أما أخطر ما تكشفه الأوراق، فهو أن الحديث عن تعظيم أصول الأوقاف يفقد معناه إذا ظلت منظومة الرقابة عاجزة عن كشف التلاعب من داخلها مبكرًا؛ فهذه ليست أموالًا سائبة، وإنما أموال وقف يفترض أن تُدار بأمانة ورقابة أشد من المعتاد، لا أن تتحول إلى ملف جنايات بملايين الجنيهات.

