يطرح الكاتب محمد القرضاوي تساؤلًا حول قدرة الأفكار التي تنتجها مراكز الفكر على التحول إلى مفاهيم أمنية تؤثر في حسابات الدول، حتى قبل أن تتبناها الحكومات بصورة رسمية. ويأتي ذلك في ضوء تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» في الأول من أكتوبر 2026 بشأن برنامج «تشرشل» التابع لمعهد أرجمان، والذي تناول وثيقة تطرح رؤى متشددة بشأن مستقبل الأمن الإسرائيلي، من بينها التعامل مع مصر والأردن باعتبارهما تهديدين محتملين في المستقبل، إلى جانب مقترحات تتعلق بالضفة الغربية والفلسطينيين.
 

ويناقش القرضاوي في تحليل نشره موقع صوت الإمارات في هذا التحليل كيفية تشكل المفاهيم الأمنية داخل مؤسسات البحث الإسرائيلية، والطرق التي يمكن أن تنتقل بها الأفكار إلى دوائر صنع القرار، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين السيناريوهات النظرية والسياسات الرسمية. فوجود فكرة داخل معهد أبحاث أو برنامج سياسي لا يعني بالضرورة تبني الحكومة لها، لكنه يظل جديرًا بالدراسة عندما يرتبط بمؤسسات وشخصيات لها صلات موثقة بمراكز صنع القرار.

 


وثيقة «رؤية جديدة لأمن إسرائيل» ودور مراكز الفكر


بحسب تقرير «هآرتس»، تمتد الوثيقة التي تحمل عنوان «رؤية جديدة لأمن إسرائيل» على نحو 270 صفحة، وأعدها مشاركون في برنامج «تشرشل» بمعهد أرجمان، وهو كيان يرتبط باليمين الإسرائيلي. وينسب التقرير إلى الوثيقة طرح رؤية تتجاوز إدارة التوترات القائمة، لتتضمن سيناريوهات مثل احتمال تحول مصر والأردن مستقبلًا إلى دولتين معاديتين لإسرائيل، إلى جانب مقترحات لتفكيك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية وتشجيع هجرة الفلسطينيين.


وتتضمن الوثيقة، وفقًا للتقرير، دعوات إلى تعزيز القدرات البرية والاستعداد لخوض حرب على جبهات متعددة، وإنشاء مناطق عازلة خارج الحدود الإسرائيلية، فضلًا عن التشكيك في اعتبار السلام هدفًا استراتيجيًا قائمًا بذاته.


لكن هذه الأفكار تظل، في غياب أدلة مستقلة تثبت اعتمادها من جانب الجهات الرسمية، توصيات صادرة عن مبادرة بحثية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها قرارات حكومية أو عقيدة عسكرية إسرائيلية رسمية.


ولا يقتصر دور مراكز الفكر على نشر الدراسات والأبحاث، إذ تعمل بعض هذه المؤسسات بوصفها ساحات لتطوير المفاهيم السياسية والأمنية وإعداد كوادر تتولى لاحقًا مناصب داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية. ويتوقف حجم تأثيرها الفعلي على طبيعة العلاقات المؤسسية التي تربطها بمراكز القرار، ومدى سهولة وصول الباحثين إلى المسؤولين، ومدى تبني هؤلاء المسؤولين للأفكار التي تطرحها تلك المؤسسات.


وتقدم دراسة أكاديمية للباحثة هبة جمال الدين، نشرتها مجلة «الشؤون العربية المعاصرة» عام 2016، إطارًا لفهم هذه العلاقة. وتتناول الدراسة نشأة مراكز الفكر في إسرائيل وتصنيفاتها، كما تبحث في قدرتها المحتملة على التأثير في صناعة السياسات داخل النظام السياسي الإسرائيلي.


وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه يسمح بتحليل دور المؤسسات البحثية باعتبارها جزءًا من البيئة التي تتشكل داخلها السياسات، من دون افتراض أن كل توصية تصدر عنها تتحول تلقائيًا إلى قرار مطبق.


ويشير تقرير «هآرتس» إلى أن برنامج «تشرشل» أخرج عشرات المشاركين، بينهم مستشارون وزاريون وضباط عسكريون ومسؤولون في مكتب رئيس الوزراء، كما يذكر أن ديفيد زيني، رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك»، من بين خريجي البرنامج.


وتتيح هذه المعلومات دراسة الروابط المهنية بين المؤسسات البحثية وأجهزة الدولة، لكنها لا تثبت في حد ذاتها أن خريجي البرنامج يتبنون جميع أفكاره، أو أن الوثيقة محل النقاش تعكس مواقفهم الرسمية.


ولإثبات انتقال فكرة محددة من مركز فكري إلى مؤسسات الدولة، لا بد من وجود أدلة أكثر مباشرة، مثل الاستناد إلى الوثيقة في قرارات حكومية أو خطط منشورة، أو تبني توصياتها في تصريحات رسمية، أو وجود علاقة موثقة بين ما تطرحه الوثيقة والتحولات في السياسات أو مخصصات الميزانية. وفي غياب هذه الأدلة، يظل الحديث عن تأثير محتمل مجرد فرضية تحتاج إلى التحقق، ولا يمكن إثباتها اعتمادًا على أسماء خريجي البرنامج وحدها.

 


معاهدة السلام مع مصر والأردن.. بين الالتزامات القانونية والتوتر السياسي


تقدم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التي وقعت في 26 مارس 1979، إطارًا قانونيًا واضحًا لتقييم أي سيناريوهات تتعلق بمستقبل العلاقة بين البلدين. وتنص المعاهدة على إنهاء حالة الحرب، واحترام سيادة كل طرف وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، والتخلي عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.


كما تتضمن المعاهدة ترتيبات أمنية محددة وملحقًا ينظم انتشار القوات في مناطق من شبه جزيرة سيناء والأراضي الإسرائيلية.


وتوضح هذه النصوص أن تقييم العلاقة المصرية الإسرائيلية لا يمكن أن يستند إلى ورقة بحثية واحدة، بل يتطلب التمييز بين الالتزامات القانونية القائمة والسيناريوهات التي تطرحها بعض التيارات السياسية. ولا يعني ذلك أن الاتفاقيات تمنع ظهور الخلافات أو اختلاف التقديرات الأمنية، وإنما يعني أن إثبات حدوث تحول رسمي في سياسة دولة تجاه دولة أخرى يحتاج إلى أدلة تستند إلى إجراءات وتصريحات ووثائق رسمية.


وتقدم العلاقة بين الأردن وإسرائيل حالة أخرى في السياق نفسه. فقد وقع البلدان معاهدة سلام في 26 أكتوبر 1994، وسجلتها الأمم المتحدة بوصفها اتفاقية سلام ثنائية. وتتناول المعاهدة العلاقات بين البلدين والحدود والمياه والأمن، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بالتسوية الإقليمية.


لكن وجود معاهدة سلام لا يعني غياب الخلافات السياسية، كما لا يعني بقاء العلاقات الثنائية بمنأى عن التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والقدس والتحولات الإقليمية.


ومن ثم، ينبغي التمييز بين التوتر السياسي، واختلاف التقديرات الأمنية، والتحول الرسمي نحو تصنيف دولة أخرى باعتبارها عدوًا. فهذه مستويات مختلفة لا ينبغي دمجها في استنتاج واحد من دون أدلة واضحة.


وتبحث المؤسسات الأمنية عادةً مجموعة واسعة من الاحتمالات، بما فيها سيناريوهات تدهور العلاقات أو تغير البيئة الاستراتيجية. لكن صياغة سيناريو افتراضي لا تثبت أن الدولة قررت التحرك على أساسه، كما أن التخطيط لاحتمال معين لا يعني بالضرورة توقع حدوثه أو اعتماده هدفًا سياسيًا رسميًا.


ولفهم الحالة الإسرائيلية، ينبغي البحث عن مؤشرات عملية تربط الوثيقة بالتخطيط الرسمي، مثل إدراج توصيات محددة ضمن وثائق حكومية منشورة، أو إصدار قرارات تنفيذية تتوافق معها، أو صدور تصريحات رسمية تؤكد اعتمادها.


أما مجرد التشابه بين الأفكار الواردة في وثيقة معينة ومواقف بعض المسؤولين، فلا يكفي وحده لإثبات علاقة سببية أو تبنٍ مؤسسي.

 


التمويل والشبكات الفكرية.. متى تتحول الأفكار إلى سياسات؟


بحسب تقرير «هآرتس»، يرتبط معهد أرجمان بشبكة من المؤسسات والجهات الداعمة ذات التوجه اليميني، كما يتناول التقرير دور تمويل يقدمه أثرياء يهود أمريكيون لمشروعات تهدف إلى التأثير في مراكز صنع القرار داخل إسرائيل.


وتثير هذه المعطيات أسئلة مشروعة حول العلاقة بين مصادر التمويل وأولويات البحث والبرامج التي تستهدف إعداد كوادر سياسية وأمنية. لكن إثبات وقوف جهة تمويلية وراء موقف سياسي محدد يحتاج إلى وثائق تتجاوز مجرد وصف توجه المؤسسة أو الجهة الداعمة.


ويتطلب ذلك فحص بيانات التمويل المتاحة، وهياكل الإدارة، والأهداف المعلنة، وأنماط الإنفاق، والعلاقات المؤسسية المثبتة. كما لا يمكن افتراض أن التمويل يحدد تلقائيًا مواقف كل باحث أو خريج، أو أن جميع مخرجات المؤسسة تعكس موقفًا موحدًا.


وتشمل المقترحات المنسوبة إلى الوثيقة، وفق تقرير «هآرتس»، أفكارًا تتعلق بضم الضفة الغربية وتشجيع ما يوصف بـ«الهجرة الطوعية» للفلسطينيين. وإذا تبنت الجهات الرسمية مثل هذه المقترحات، فإن تقييم آثارها سيتطلب دراسة مستقلة لانعكاساتها على حقوق الفلسطينيين، والوضع القانوني للأراضي المحتلة، والاستقرار الإقليمي، والعلاقات مع الدول العربية المجاورة.


ويظل الفصل بين المقترح السياسي الوارد في وثيقة وبين تطبيقه على الأرض أمرًا أساسيًا. فإثبات تحول هذه الأفكار إلى سياسة عملية يتطلب تتبع القرارات والإجراءات الرسمية، وتقييمها في ضوء القانون الدولي والوثائق ذات الصلة.


ويمكن قياس مدى تجاوز الوثيقة حدود النقاش الفكري من خلال تتبع مسارات مترابطة، في مقدمتها المواقف الرسمية للحكومة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، والقرارات والإجراءات التنفيذية ذات الصلة، ومدى انعكاس توصيات الوثيقة على السياسات والميزانيات وخطط العمل المنشورة.


ويساعد جمع هذه المؤشرات في التمييز بين مجرد التوافق الفكري وبين التأثير المؤسسي القابل للإثبات.


ولا يعني غياب الأدلة على التبني الرسمي أن الوثيقة بلا أهمية. لكنه يمنع تقديمها باعتبارها إعلانًا عن تحول جديد في السياسة الإسرائيلية تجاه مصر والأردن. وفي المقابل، تظل الوثيقة مادة مهمة لفهم الاتجاهات داخل التيار الذي أنتجها، والكيفية التي تتشكل بها تصورات التهديد داخل بعض الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية.


وبحسب «هآرتس»، تكشف الوثيقة عن رؤى أمنية وسياسية تستحق المتابعة، خصوصًا فيما يتعلق بمستقبل العلاقات مع مصر والأردن والقضية الفلسطينية. لكن أهميتها الاستراتيجية لا تحددها جرأة المقترحات وحدها، بل تتحدد كذلك بما يمكن إثباته بشأن موقعها داخل شبكة المؤسسات السياسية والأمنية، ومدى انتقالها من مجال الأفكار إلى القرارات الرسمية.


وفي النهاية، تظل المسألة الأساسية بين مراكز الفكر وصناع السياسات هي القدرة على تتبع مسار الفكرة بالأدلة، بدءًا من الجهة التي صاغتها والمؤسسات التي ناقشتها، وصولًا إلى أي إجراء رسمي يؤكد اعتمادها.


ويسمح هذا النهج بفهم أكثر دقة للتحولات المحتملة في المشهد الأمني بالشرق الأوسط، من دون المبالغة في أهمية وثيقة واحدة، ومن دون تجاهل ما قد تكشفه عن اتجاهات سياسية وأمنية آخذة في التشكل.

 

https://www.voiceofemirates.com/en/politics/2026/10/03/from-think-tanks-to-military-planning-how-are-threat-scenarios-formulated-in-the-middle-east/