أثار تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبد العزيز قنصوة الاهتمام بإعادة تنشيط المسرح الجامعي سؤالًا يتجاوز قيمة المسرح والفنون نفسها إلى ترتيب أولويات الوزارة، في وقت يواجه فيه طلاب وأسر أعباء مالية متصاعدة داخل عدد من الجامعات الأهلية والخاصة، وتتجدد الأسئلة حول تكافؤ فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي بين الطالب المتفوق القادر على دفع المصروفات ونظيره الذي لا تسمح ظروف أسرته بتحمل عشرات أو مئات الآلاف من الجنيهات.

 

ولا تكمن القضية في رفض المسرح الجامعي أو التقليل من دور الفنون، وإنما في التساؤل عما إذا كان ملف استعادة النشاط المسرحي يستحق كل هذا الحضور بينما توجد ملفات أكثر التصاقًا بمستقبل الطالب، بداية من كلفة الدراسة وشروط القبول، مرورًا بجودة العملية التعليمية، وانتهاءً بتمويل البحث العلمي وقدرة الباحثين والطلاب المتفوقين على الاستمرار دون أن تصبح الإمكانات المادية عاملًا حاسمًا في مستقبلهم.

 

وكانت وزارة التعليم العالي قد أعلنت رسميًا في 15 سبتمبر 2026 عقد قنصوة، بصفته وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة، اجتماعًا موسعًا لمناقشة مشروع تطوير المسرح الجامعي بالتعاون بين الوزارتين، وهو ما يؤكد وجود توجه رسمي لإعادة تنشيط هذا الملف.

 

 

المسرح يعود والأسئلة أكبر

 

علق إسماعيل حسني على هذا التوجه متسائلًا عن غياب الفنون من مراحل التعليم السابقة، وكتب: «وزير التعليم العالي للسيسي: سوف نعيد المسرح الجامعي في جميع الجامعات من أجل تنمية مواهب الشباب الفنية واستعادة قوة مصر الناعمة. يا معالي الوزير: ألا يتطلب ذلك التنسيق مع وزير التربية والتعليم وشيخ الأزهر لإعادة حصص الموسيقى والرسم والفنون "والعياذ بالله" في المدارس من المرحلة الابتدائية؟».

 

 

 

 

ورد حساب يحمل اسم أسامة على التغريدة، رافضًا تحميل الأزهر مسؤولية تراجع حصص الفنون، وكتب: «هو كان الأزهر منع تدريس الرسم والموسيقى قبل كده ولا الوزير اللي أخد غرف الموسيقى والرسم عشان مفيش فصول والكثافة عالية وعملهم فصول؟ مش هتبطل تحكها مع الأزهر؟».

 

 

 

 

ويعيد هذا الجدل القضية إلى أصلها: هل أزمة التعليم المصري اليوم هي نقص النشاط المسرحي وحده، أم أن المسرح حلقة ضمن منظومة تحتاج أولًا إلى حسم ملفات أكثر إلحاحًا تتعلق بحق الطالب في تعليم جيد ومتاح وقدرته على الوصول إلى التخصص الذي يؤهله له تفوقه وليس فقط ما تستطيع أسرته دفعه؟

 

فالمسرح الجامعي نشاط مهم لتنمية الشخصية والمهارات، لكن الوزارة مسؤولة كذلك عن ملف ضخم يشمل الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة والبحث العلمي والمستشفيات الجامعية، وبالتالي يصبح السؤال مشروعًا عن توزيع الاهتمام والموارد بين النشاط الثقافي والمشكلات الأكاديمية والمالية التي تمس مئات الآلاف من الطلاب.

 

 

تعليم لمن يستطيع الدفع؟

 

تظهر المصروفات المعلنة لبعض الجامعات الأهلية حجم الفجوة المالية التي يمكن أن تواجه طالبًا متفوقًا محدود الدخل. فجامعة عين شمس الأهلية أعلنت للعام الجامعي 2026-2027 مصروفات تصل في البرامج الطبية إلى 210 آلاف و529 جنيهًا، ونحو 117 ألفًا و487 جنيهًا للبرامج الهندسية، و115 ألفًا و544 جنيهًا للحاسبات والمعلومات، وأكثر من 87 ألف جنيه لبرامج الأعمال.

 

كما ظهرت خلال سبتمبر شكاوى منشورة لطلاب وأولياء أمور في جامعة الوادي الجديد الأهلية من رسوم إدارية إضافية قالوا إنها تتراوح بين 10 و11 ألف جنيه سنويًا بجانب المصروفات الأساسية، بينما تحدثت شكاوى أخرى من طلاب جامعة 6 أكتوبر عن زيادات في تكلفة بعض المواد والساعات المتبقية وصلت، وفق رواياتهم، إلى نحو 40%. وهذه شكاوى من أصحابها وليست أحكامًا نهائية على الجامعات، لكنها تضع الوزارة أمام مطالب واضحة بالشفافية والرقابة على الرسوم.

 

وفي المقابل، توجد بالفعل برامج لدعم غير القادرين، من بينها منحة «علماء المستقبل» التي أعلنت الوزارة أنها تستهدف متفوقي الثانوية العامة من فئات اجتماعية محددة، وتوفر في الجامعات الأهلية المشاركة تغطية للمصروفات والإقامة والإعاشة وفق شروط البرنامج. وهو إجراء مهم، لكنه لا ينهي السؤال عن حجم المستفيدين مقارنة بعدد الطلاب الذين قد تحول المصروفات بينهم وبين البرامج التي يرغبون فيها.

 

أما ما يتردد عن السماح للاجئين أو جميع الطلاب الأجانب بالالتحاق بالجامعات الأهلية بمجموع 50% مقابل دفع الأموال، فلا تظهر في المصادر الرسمية التي أمكن مراجعتها قاعدة عامة بهذه الصيغة. المؤكد أن مصر لديها منظومة مستقلة لقبول الطلاب الوافدين، وأن هؤلاء يسددون رسومًا بالدولار تختلف باختلاف التخصص؛ فبعض الجامعات الحكومية تعلن مثلًا رسومًا سنوية تصل إلى 6000 دولار للطب و5000 دولار للهندسة والحاسبات، إلى جانب رسم قيد.

 

وهنا يمكن توجيه السؤال بصورة أدق: هل تحقق قواعد القبول المختلفة بين المسارات المصرية والوافدة والأهلية توازنًا واضحًا بين جذب الطلاب الأجانب وتوفير إيرادات للجامعات وبين حماية مبدأ تكافؤ الفرص للطالب المصري المتفوق؟

 

 

البحث العلمي ينتظر أولوية أكبر

 

ويمتد النقاش إلى البحث العلمي، وهو الملف الذي يحمل اسم الوزارة نفسها، ولا يمكن اختزاله في تصريحات عن الابتكار أو التصنيفات الدولية. صحيح أن الوزارة طرحت خلال 2026 برامج تمويل للباحثين شملت منحًا تصل إلى ثلاثة ملايين جنيه لبعض المشروعات، وتمويلًا للماجستير والدكتوراه ومبادرات للتكنولوجيا العميقة والابتكار، ما يعني أن القول بتوقف الاهتمام بالبحث العلمي تمامًا لا يتفق مع البيانات المتاحة.

 

لكن حتى داخل المؤسسات الرسمية تظهر مطالب بزيادة التمويل. فالقائم بأعمال رئيس أكاديمية البحث العلمي قال في سبتمبر إن إجمالي محفظة المشروعات التي تتابعها الأكاديمية يبلغ نحو 1.3 مليار جنيه، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن التمويل يحتاج إلى المزيد من التنوع والزيادة، خصوصًا للأفكار الجديدة والمشروعات مرتفعة المخاطر العلمية والتكنولوجية.

 

ومن هنا يصبح تطوير المسرح الجامعي مشروعًا يمكن الدفاع عن أهميته الثقافية، لكنه لا ينبغي أن يحجب الملفات التي تحدد مستقبل الجامعة ذاتها: طالب متفوق يبحث عن فرصة لا تحددها محفظة أسرته، وباحث يحتاج إلى معمل وتمويل وفرصة حقيقية، وأسرة تريد معرفة لماذا تتزايد تكلفة بعض مسارات التعليم، ومن يراقب الرسوم، وكيف تضمن الوزارة ألا يتحول التوسع في الجامعات الأهلية إلى توسع في تعليم يستطيع الوصول إليه القادر ماليًا أكثر من المتفوق علميًا.

 

وتلك أسئلة تنتظر من قنصوة إجابات بالأرقام والسياسات؛ فاستعادة قوة مصر الناعمة لا تبدأ فقط من خشبة المسرح، وإنما أيضًا من جامعة تمنح المعرفة والبحث والتفوق مساحة توازي المساحة الممنوحة للأنشطة والاحتفالات.