قاسم قصير
باحث وكاتب سياسيي من لبنان
بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاق معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر في العام 2023، لا تزال تداعيات هذه المعركة مستمرة، سواء على صعيد القضية الفلسطينية ومستقبل الوجود الفلسطيني والسلطة والمقاومة، أو على صعيد الكيان الصهيوني وأوضاعه الداخلية والصراعات السياسية التي يشهدها والحروب التي يخوضها على عدة جبهات، أو على صعيد صورة الكيان الصهيوني في العالم بعد حرب الإبادة التي شنها على فلسطين ولبنان وحربه على إيران.
وقد شهدنا أحد مشاهد هذه التداعيات في نيويورك عندما خرج ممثلو 78 دولة من قاعة الأمم المتحدة خلال إلقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لخطابه، وصولا للحرب الأمريكية- الإيرانية المستمرة على أكثر من جبهة وخصوصا جبهة مضيق هرمز، والحصار البحري والاقتصادي لإيران والرهان الأمريكي- الإسرائيلي المستمر على إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وضرب اقتصاد إيران وتفتيتها وإبادتها كما يعبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومن تداعيات هذه المعركة عودة الصراع الداخلي في اليمن وبين اليمن والسعودية، والمخاوف من إغلاق مضيق باب المندب وانعكاس ذلك على الاقتصاد العالمي، ويضاف لكل ذلك استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان وسوريا، والتغيرات السياسية في هذين البلدين، وتصاعد الصراع التركي- الإسرائيلي في ظل ازدياد الدور التركي في العالم العربي ولا سيما في سوريا. ومن هذه التداعيات أيضا تصاعد الحرب الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة والحديث الإسرائيلي عن تهجير أبناء الضفة وكذلك أبناء غزة.
كل هذه التداعيات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية تؤكد أن القضية الفلسطينية لا تزال القضية المركزية في العالم العربي والإسلامي وعلى الصعيد الدولي، وأن أي تطور على الصعيد الفلسطيني أو على صعيد الصراع مع الكيان الصهيوني لن يبقى محصورا في داخل فلسطين أو داخل الكيان الصهيوني، بل سيمتد على كل مساحة المنطقة والعالم.
والعالم كله لا يزال ينتظر وضوح صورة هذا الصراع وأفقه، وخصوصا داخل الكيان الصهيوني وهو على اعتاب انتخابات للكنيست الإسرائيلي والمعركة محتدمة في داخل الكيان، وكذلك الانتخابات النصفية في أمريكا والتي ينتظرها كل العالم لما لها من تأثير على السياسات الأمريكية في كل العالم.
ونحن نعيش اليوم انتقال الصراع من الصراع على الجغرافية إلى الصراع على الممرات المائية الدولية وعلى المستقبل الديمغرافي لكل دول المنطقة، وخصوصا في فلسطين والكيان الصهيوني والدول المجاورة، في ظل المخاوف من استمرار الكيان الصهيوني في سياسات الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وكذلك حرب الإبادة التي ينفذها العدو الصهيوني في جنوب لبنان، وتوسع الاحتلال الصهيوني لجنوبي سوريا.
ولم يعد السؤال في الشرق الأوسط اليوم: من يربح المعركة؟ بل أصبح أكثر تعقيدًا: من يملك القدرة على التحكم بممرات المعركة، وبالطاقة، وبالبحر، وبالوقت الذي تحتاجه الدول كي تستمر في الحرب أو تنتقل إلى التفاوض؟
فمن مضيق هرمز في الخليج، إلى باب المندب في جنوب البحر الأحمر، تبدو المنطقة وكأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة من الصراع؛ مرحلة لم تعد فيها الجغرافيا مجرد مساحة للحرب، بل أصبحت هي نفسها سلاحًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وما جرى خلال الأسبوع الأخير يؤكد أن إيران والولايات المتحدة واليمن ودول الخليج لم تعد تتحرك في ساحات منفصلة، بل داخل منظومة واحدة تتصل فيها طهران ببغداد، والخليج بالبحر الأحمر، واليمن بمصر، وتركيا بباكستان والسعودية.
ولا تقتصر المعركة على مضيق هرمز تحت عنوان: إغلاق المضيق إغلاقًا كاملًا حتى تستخدمه إيران كورقة ضغط؛ يكفي أن يصبح المرور فيه أكثر كلفة وخطورة، وأن تضطر السفن إلى الانتظار أو تغيير مساراتها، حتى تتحول الجغرافيا إلى ضغط على الأسواق والحكومات. وقد انعكس ذلك بالفعل على أسعار النفط وحركة ناقلات الطاقة، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة تنظيم حركة الملاحة عبر وجودها البحري المباشر.
ويضاف إلى المعركة على مضيق هرمز وحصار إيران، المعركة الدائرة اليوم في اليمن، سواء داخل اليمن أو بين أنصار الله والسعودية، والمخاوف العالمية من إغلاق مضيق باب المندب من قبل حركة أنصار الله بعد التطورات الأخيرة في اليمن، وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام: إذا كان هرمز هو البوابة الشرقية للخليج، فإن باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر. ومن يملك القدرة على تهديد أحدهما يستطيع التأثير في الآخر، لأن تعطيل الطريق الأول يدفع الدول إلى البحث عن طرق بديلة، بينما يؤدي اضطراب الطريق الثاني إلى ضرب قناة السويس وشبكات التجارة بين آسيا وأوروبا، وهذا تحديدًا ما يفسر القلق المصري.
القاهرة لا تنظر إلى باب المندب باعتباره أزمة يمنية بعيدة، فكل اضطراب طويل الأمد في البحر الأحمر يعني ضغطًا مباشرًا على قناة السويس، وعلى عائداتها، وعلى حركة التجارة التي تشكل جزءًا أساسيًا من الاقتصاد المصري. ولهذا برز التنسيق المصري-السعودي.
وأما السعودية، فتجد نفسها أمام معادلة مختلفة: حرب مع أنصار الله في اليمن، وضغوط على منشآتها ومصالحها، ومشكلة أمن الملاحة، وفي الوقت نفسه ضرورة تجنب تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة. ومن هنا جاءت أهمية التحرك السعودي مع تركيا وباكستان على الصعد الأمنية والعسكرية والسياسية لمواجهة مختلف التطورات، وهذه التطورات لا تعني بالضرورة ولادة حلف عسكري جديد في مواجهة إيران، لكنها تكشف اتجاهًا مهمًا: دول المنطقة بدأت تبحث عن ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، بدلًا من الاعتماد على مظلة واحدة فقط.
وقد دخلت دولتان إسلاميتان على خط التطورات وهي تركيا وباكستان، فتركيا ليست دولة خليجية، لكنها دولة إقليمية كبرى تمتلك جيشًا وقدرات عسكرية وشبكة علاقات واسعة مع الخليج وإيران والعراق وباكستان، وهي تحاول في الوقت نفسه أن تحافظ على قنوات الاتصال مع طهران، وأن توسع تعاونها الأمني مع الرياض وإسلام آباد. لذلك فإن موقع تركيا في هذه المعادلة لا يمكن اختزاله في الاصطفاف مع طرف ضد آخر؛ فالمصلحة التركية الأساسية تكمن في منع تمدد الحرب إلى حدودها وممراتها التجارية، مع تعزيز موقعها في أي نظام أمني إقليمي جديد.
أما باكستان، فإن دخولها بهذه الصورة إلى معادلة الخليج والبحر الأحمر يضيف بعدًا آخر. فهي تمتلك علاقة دفاعية عميقة مع السعودية، وقد أصبحت شريكًا في اتفاقية مكة الثلاثية مع السعودية وتركيا. لكن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف شدد أيضًا على ضبط النفس والحوار، مؤكدًا أن الاتفاق الدفاعي لا يستهدف دولة بعينها.
ويضاف إلى الدور الباكستاني والتركي الدور العراقي في المنطقة وتداعيات ما يجري على العراق، فإذا توسعت الحرب، فإن العراق سيكون من أكثر الدول حساسية لأي انتقال للصراع بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران ودول الخليج. ولهذا فإن الاتصالات الإيرانية-العراقية والتركية خلال الأسابيع الأخيرة ركزت على منع توسع الحرب والحفاظ على أمن الحدود والاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد: تريد إبقاء الضغط على إيران، لكنها تواجه واقعًا أصبحت فيه حماية الملاحة مكلفة، بينما تستطيع إيران التأثير في هرمز، ويستطيع حلفاؤها في اليمن التأثير في باب المندب. والأسوأ بالنسبة إلى واشنطن أن أي توسع إضافي للحرب قد يحوّل حماية طرق الطاقة من عملية عسكرية محدودة إلى التزام طويل ومكلف.
كل هذه التداعيات لمعركة طوفان الأقصى تؤكد أننا اليوم أصبحنا أمام واقع إقليمي ودولي جديد، وأن التداعيات ستبقى مستمرة في المرحلة المقبلة ولا يملك أحد تحديد أفق الصراع.
فمعركة طوفان الأقصى انتقلت إلى لبنان وسوريا وإيران واليمن والعالم كله، ومن هرمز إلى باب المندب، إذن، لا تتحرك السفن وحدها؛ تتحرك معها الجيوش، والتحالفات، وأسعار النفط، والاقتصادات، والرسائل الدبلوماسية، وحسابات واشنطن وطهران والرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد وبغداد.
فأي مستقبل ينتظرنا؟ وأي دورنا ينبغي القيام به؟ وما هو مصير القضية الفلسطينية والصراع مع الكيان الصهيوني؟ كلها أسئلة نحتاج إلى المزيد من البحث والنقاش حولها اليوم وغدا.

