حمّلت الحكومة المواطنين عبء اللحاق بمنظومة ضريبية تتعثر عند التسجيل، ثم بررت أعطالها بكثافة الإقبال، في مشهد يحول تقديم الإقرار من إجراء إداري إلى اختبار صبر لأصحاب العقارات الباحثين عن حقوقهم وإعفاءاتهم.
ومدّت وزارة المالية، اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر، مهلة تقديم إقرارات الضرائب العقارية حتى نهاية ديسمبر 2026، بعدما تصاعدت شكاوى التسجيل، لكن تمديد الوقت لا يعفي الحكومة من مسؤولية تجهيز الخدمة قبل مطالبة الناس باستخدامها.
أعطال المنظومة تسقط دعاية التيسير
فقد أرجع رامي يوسف، مساعد وزير المالية، مشكلات التطبيق إلى الضغط المتزايد مع اقتراب الموعد السابق، واعدًا برد يمنح المواطنين فرصة التقديم، قبل إعلان قرار المد الذي أزاح مهلة 30 سبتمبر.
غير أن الإقبال الذي تستدعيه الحكومة لتبرير الأعطال كان متوقعًا في خدمة تطلب من أصحاب العقارات تسجيل وحداتهم، ما يجعل الاستعداد للأحمال جزءًا أصيلًا من مسؤوليتها، وليس عذرًا يُلقى أمام المتضررين.
وبينما تعد الوزارة بتحسين النظام وزيادة الدعم الفني، يظل السؤال المحرج متعلقًا بسبب تأخر هذه الاستعدادات حتى اشتداد الضغط، وكيف طُرحت حوافز مرتبطة بالالتزام دون ضمان قدرة المواطنين على استكمال إجراءاته بسهولة.
وفي هذا السياق، حذر مدحت نافع، أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي، في مقال منشور في يناير 2026، من تحول الرقمنة إلى مجرد نقل للتعقيدات القائمة، وشدد على ضرورة تقليل الغموض وتبسيط الامتثال الضريبي.
كما اعتبر نافع أن تحميل الممولين الملتزمين أعباء إضافية عبر توسيع التقديرات أو تشديد الإجراءات يضر الثقة والاستثمار، وأن التسهيلات لا تستكمل معناها دون حماية الفئات الأضعف من انتقال العبء إليها.
وعلى ضوء هذا المعيار، يصبح تعثر التسجيل إخفاقًا في الخدمة العامة، لا مجرد مشكلة تقنية معزولة؛ فالمواطن لا يملك إصلاح التطبيق، ولا ينبغي أن يتحمل تبعات قصور لم يشارك في صناعته.
كذلك لا يكفي إعلان أرقام التسجيل للاحتفاء بنجاح المنظومة، إذ قالت الوزارة إن أكثر من مليوني وحدة سُجلت خلال مئة يوم، بينما يبقى اكتمال الإجراءات وسهولتها معيارين لا تعوضهما الأرقام الإجمالية.
ومن ثم، يحتاج تمديد المهلة إلى إصلاح يمكن قياسه، يشمل استقرار التطبيق وسرعة الاستجابة للشكاوى وإتاحة بدائل واضحة، حتى لا تتحول نهاية ديسمبر إلى موعد جديد لتكرار المشهد نفسه والوعود ذاتها.
السكن الخاص تحت عبء الإثبات
وفي قلب الأزمة، أكد يوسف أن تقديم الإقرار يشمل الوحدات المملوكة، وأن صاحبها يحدد الوحدة المخصصة لسكنه وأسرته، ما يعني أن احتمال الإعفاء لا يلغي إجراءات الإفصاح المطلوبة عن العقار.
وبالتالي، لا يعني تسجيل الوحدة استحقاق ضريبة عليها تلقائيًا، كما لا يعني انخفاض قيمتها عن ثمانية ملايين جنيه الاستغناء عن الإقرار؛ فالإجراء الإداري وتحديد الاستحقاق مرحلتان مختلفتان في الشرح الذي قدمه المسؤول.
لكن إخضاع الأسر لهذه الرحلة يستلزم لغة واضحة وخدمة متاحة، لأن الحديث الواسع عن الإعفاء يفقد أثره حين يظل صاحب المسكن مرتبكًا أمام كيفية إثبات حقه وحدود المطلوب منه ومصير طلبه.
وفي المقابل، سبق أن طرح عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي، في دراسة منشورة عام 2019، أولوية التطبيق الصارم للضريبة العقارية على القصور والفيلات والمنتجعات الفاخرة، مع تركيز جهود التحصيل والتوعية على تلك الثروات.
وبهذا المعنى، يضع طرح فاروق معيارًا مختلفًا لأولويات الإدارة الضريبية، قوامه ملاحقة الثروة العقارية الكبيرة بكفاءة، وهو معيار يحرج أي منظومة تستنزف وقت الأسر في الإجراءات بينما تعجز عن تقديم خدمة موثوقة.
فضلًا عن ذلك، ربط يوسف التقييم المقبل بأسعار العقارات خلال 2027، الأمر الذي يجعل شفافية التقدير مسألة جوهرية، لأن قيمة المنزل المقدرة تحدد موقع صاحبه من الإعفاء، ولا يجوز تركها لغموض إداري.
ومع ذلك، فإن ارتفاع السعر السوقي لمسكن لا يساوي بالضرورة زيادة دخل الأسرة التي تقيم فيه؛ فقد ترتفع قيمة الأصل على الورق بينما تظل موارد صاحبه الشهرية محدودة والتزاماته المعيشية تتزايد.
ولهذا، لا يصح اختزال العدالة في رقم معلن للإعفاء، إذ تتطلب أيضًا تقديرات مفهومة وإجراءات اعتراض ميسرة، مع توضيح الأسس التي تجعل وحدتين متقاربتين تختلفان في المعاملة، وضمان قدرة صاحب العقار على مراجعتها.
وبدلًا من الاكتفاء بطمأنة تلفزيونية، تحتاج الأسر إلى شرح مكتوب ومتاح يحدد خطوات الإقرار والإعفاء والتقييم، ويمنع تحول نقص المعلومات إلى تكلفة إضافية يتحملها من لا يملك خبرة ضريبية أو مساعدة متخصصة.
خصومات معلنة وعدالة لا تصل
أما الحوافز المعلنة فتشمل خصمًا بنسبة 25% للوحدات السكنية و10% لغير السكنية، مع خصم إضافي بنسبة 5% للسداد تحت حساب الضريبة، وهي مزايا تظل مرتبطة بشروطها وليست إعفاءً شاملًا لكل مالك.
غير أن وصف الخصم بأنه حق للمواطنين يفرض على الوزارة التزامًا مقابلًا، يتمثل في إتاحة الوصول إليه دون عراقيل، فحق تعوقه خدمة مرتبكة يتحول عمليًا إلى وعد يصعب الانتفاع به.
وفي تناولها لتعديلات الضريبة العقارية في مارس 2026، رأت سلمى حسين، الباحثة في الاقتصاد والسياسات العامة، أن التعديلات البرلمانية زادت حماية مصالح كبار الملاك، بدل معالجة اختلالات العدالة وتوزيع الثروة.
كما دعت حسين إلى تصاعد الضريبة مع تعدد الوحدات وشغورها، وتشجيع التأجير طويل الأجل، وتوجيه العوائد لتحسين المجتمعات المحيطة بالعقارات الفاخرة، معتبرة أن تصميم الضريبة ينبغي أن يخدم أهدافًا اجتماعية واقتصادية.
وانطلاقًا من ذلك، فإن حصر النقاش في نسب الخصومات يحجب السؤال الأهم عن توزيع الأعباء، وهل تتحمل الملكيات الضخمة نصيبًا عادلًا، وهل يلمس السكان أثر الحصيلة في خدمات أحيائهم ومرافقها الأساسية.
وفي الوقت نفسه، لا يمنح تعثر التطبيق مبررًا لإعفاء الثروات العقارية الكبيرة من مسؤوليتها، لكنه يسقط حجة الحكومة حين تطالب المواطنين بالانضباط بينما تؤجل إصلاح الأدوات التي وضعتها بين أيديهم للتسجيل.
لذلك، يظل اختبار الوزارة خلال المهلة الجديدة واضحًا: إزالة العقبات، وتبسيط المعلومات، وإعلان نتائج تحسين الخدمة، بدل مطالبة الجمهور بتصديق وعود متكررة لا يستطيع التحقق من أثرها إلا بعد محاولات مرهقة.
وأخيرًا، لا تمحو مهلة ديسمبر إخفاق الاستعداد، ولا تجعل الخصومات الإدارة المرتبكة عادلة؛ فالحكومة مطالبة بإثبات كفاءتها أمام المواطنين، بدل إبقاء صاحب المسكن منشغلًا بإثبات حقه أمام منظومة لا تستقر عند حاجته إليها.

