يبين القرآن الكريم أن فساد الطغاة واستضعافهم للناس لا يكون نهاية المطاف، بل يعقبه وعد الله بنصرة المؤمنين وتمكينهم وإهلاك الظالمين. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ۝ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6]. وتكشف الآيتان أن التمكين سنة ربانية ماضية، وأن إرادة الله نافذة مهما بلغ الطغيان والاستبداد.

 

وتؤكد هذه السنة أن الأمة المستضعفة لا يجوز أن تستسلم لليأس أو الخمول، بل عليها أن تأخذ بالأسباب الشرعية والدنيوية، وأن تطالب بحقوقها بالحكمة والكلمة الحسنة والعمل المنظم، مستصحبة حسن الظن بالله واليقين بوعده. وقد تجلت هذه السنة في نجاة بني إسرائيل من فرعون، كما ظهرت في انتصار المؤمنين على كفار قريش وفرعونها أبي جهل، حين تحوّل المستضعفون إلى قوة مؤمنة أسهمت في إسقاط الطغيان.

 

 

وعد الله بتمكين المستضعفين

 

إن التعبير القرآني بالمضارع في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ يستحضر مشهد الحدث، ويدل في الوقت نفسه على التجدد والاستمرار؛ فكلما تحقق سبب الاستضعاف والظلم، وُجدت سنة الله في نصرة أهل الإيمان والصلاح إذا صبروا وأخذوا بالأسباب.

 

ولذلك جاء التعبير عامًا: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ليشمل كل طائفة مؤمنة مستضعفة تواجه طغيانًا متجبرًا. ووعد الله لا يتخلف، غير أن تحقيقه مرتبط بالصبر واليقين والعمل، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

 

 

صور المن الإلهي وآثار التمكين

 

ذكر الله تعالى صورًا متعددة لمنّه على المستضعفين، منها جعلهم أئمة، وجعلهم وارثين، وتمكينهم في الأرض، وإراءة الطغاة زوال ملكهم على أيدي من استضعفوهم.

 

فالإمامة لا تعني مجرد السيادة السياسية، بل تشمل القيادة في الدين، والدعوة إلى الخير، وإقامة العدل، وبناء أمة حرة تملك أمرها وشريعتها وقوتها الحضارية. أما الوراثة فتعني انتقال السلطان والأرض من أيدي الظالمين إلى أيدي المستضعفين، كما قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ۝ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 25-28].

 

وقال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 57-59].

 

 

هلاك الظالمين وزوال سلطانهم

 

إن توريث المستضعفين الأرض يقتضي أولًا إزالة أسباب الاستضعاف وإهلاك من قاوم الحق وناوأ أهله. ولذلك قال تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 6].

 

فقد كان فرعون وجنوده يخشون خروج بني إسرائيل من سلطانهم، فسعوا إلى قمعهم وقتل أبنائهم وإضعاف قوتهم، غير أن تدبير الله سبق تدبيرهم، وجعل أسباب زوال ملكهم تنشأ من داخل واقعهم. وفي ذلك شفاء لصدور المظلومين؛ إذ يريهم الله زوال الظالمين وانكسار الطغاة، ويحوّل خوف المستضعفين إلى قوة وعزة.

 

وقد أشار القرآن إلى انتقال الأرض والسلطان من الأمم الظالمة إلى غيرها، فقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: 137].

 

 

شروط الإمامة والتمكين

 

لا يتحقق التمكين بمجرد التمني، وإنما لا بد من اجتماع الإيمان والصبر واليقين والعمل. فالصبر يحفظ الأمة من الانهيار أمام البطش، واليقين يمنعها من الاستسلام لليأس، والعمل يترجم الإيمان إلى واقع مؤثر.

 

وعلى الأمة المستضعفة أن تدرك أن ضعفها المرحلي لا يعني عجزها الدائم؛ فقد أنجى الله بني إسرائيل من فرعون رغم ما كانوا عليه من الضعف، وجعلهم أئمة ووارثين. كما أن التمكين لا يقتصر على النجاة من الظلم، بل يتطلب بناء القوة، وإقامة العدل، وحماية المجتمع، وإعداد أمة قادرة على حمل رسالة الإصلاح.

 

ومن مقتضيات ذلك المطالبة بالحقوق، وإظهار الحق، واستخدام الكلمة اللينة والموعظة الحسنة، مع الحكمة وحسن التقدير؛ فالأمة التي لا تطالب بحقها ولا تتحدث به تبقى أسيرة الذل والقهر، ولا تستطيع إقامة أمر دينها أو دنياها.

 

 

المنهج الدعوي في مواجهة القوى الظالمة

 

يقتضي التعامل مع قوى الظلم الجمع بين حسن الظن بالله، والفأل الحسن، والعمل الصادق المدروس، والدعوة القائمة على البصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

 

وقد تحققت هذه السنة في زمن النبي ﷺ، حين كانت عاقبة كفار قريش شبيهة بعاقبة فرعون، فزالت قوتهم على أيدي المؤمنين الذين كانوا مستضعفين، ثم منّ الله عليهم بالنصر والتمكين. وتؤكد هذه التجربة أن النصر لا ينال بالفوضى أو التسرع، بل بالدعوة الحكيمة، والإعداد، ووحدة الصف، والصبر، والأخذ بالأسباب الشرعية والدنيوية.