ترسم مراجعة التعاقدات الحكومية المنشورة بين يناير 2024 ويونيو 2026 صورة مقلقة عن توسع هيئة الطرق والكباري في استخدام الأمر المباشر، وسط غياب واضح للمناقصات العامة أو المحدودة خلال الفترة نفسها.
لكن تُظهر الأرقام أن الهيئة أبرمت 97 تعاقدًا، تجاوزت قيمتها 35 مليارًا و266 مليون جنيه، بينما تحولت استثناءات القانون إلى مسار متكرر يضعف المنافسة ويثير أسئلة واسعة حول الرقابة والشفافية.
هيئة الطرق توسع التعاقدات الاستثنائية
توضح البيانات أن هيئة الطرق والكباري أبرمت 88 تعاقدًا بالأمر المباشر خلال 2024 وحده، دون ظهور تعاقدات بالمناقصة العامة أو المحدودة ضمن السجلات المنشورة التي شملتها المراجعة.
وبحسب الأرقام، تجاوزت قيمة بعض التعاقدات السقف المالي المقرر لرئيس الهيئة، والمحدد بخمسة ملايين جنيه في أعمال المقاولات، كما تخطت تعاقدات أخرى صلاحيات وزير النقل المالية.
وفي هذا السياق، يرى محمود وهبة، الباحث والمعلق الاقتصادي المعارض لسياسات الحكومة، أن الاعتماد المتكرر على الإسناد المباشر يحرم السوق من المنافسة ويمنح جهات محددة أفضلية غير مبررة.
كما شملت التعاقدات إنشاء كوبري في الوراق بأكثر من أربعة مليارات جنيه، إلى جانب استكمال طريق بقيمة 242 مليون جنيه، وهو ما يعكس ضخامة العمليات التي جرى تمريرها.
وفي شرق العوينات، أُسندت أعمال توسعة طريق بقيمة 145 مليون جنيه، بينما وصل تعاقد آخر لتنفيذ كوبري سكة حديد إلى 113 مليون جنيه، لتتسع الفجوة بين قيمة الأعمال وحدود الاختصاص.
ومن ناحية أخرى، بلغ إجمالي تعاقدات الهيئة التي رصدتها المراجعة أكثر من 33 مليار جنيه خلال 2024، قبل إضافة عمليات جديدة أبرمتها الهيئة خلال 2025 ومطلع 2026.
وبينما تبرر الجهات الحكومية أحيانًا سرعة التنفيذ بالحاجة إلى إنجاز المشروعات القومية، فإن تكرار الأمر المباشر يطرح تساؤلًا حول تحول الضرورة إلى قاعدة إدارية مستمرة.
كذلك، تشير المقارنة بالفترة الممتدة من أكتوبر 2022 حتى ديسمبر 2023 إلى أن المراجعات الحكومية المتاحة رصدت 32 تعاقدًا بالمناقصة المحدودة للهيئة، بما يعكس اختلافًا واضحًا في أسلوب الإسناد.
وبحسب محمود وهبة، فإن تراجع المناقصات لا يمثل مجرد تغيير فني في آليات الشراء، بل يعيد تشكيل توزيع الفرص الاقتصادية بعيدًا عن الشركات القادرة على المنافسة العلنية.
القطار السريع يرفع قيمة الإسناد
تؤكد تعاقدات ديسمبر 2025 أن هيئة الطرق والكباري واصلت استخدام الأمر المباشر في مشروعات مرتبطة بالقطار الكهربائي السريع، رغم ضخامة القيم المالية وطبيعة الأعمال المتعددة.
وفي ذلك الشهر، أبرمت الهيئة ستة تعاقدات مع شركة مكة البركة لتوريد البازلت لمراحل المشروع، بإجمالي تجاوز مليارًا و200 مليون جنيه، وفق البيانات التي تناولتها المراجعة.
كما تعاقدت الهيئة مع شركة الراغب للمقاولات بقيمة تجاوزت 876 مليون جنيه، بينما تجاوز تعاقدها مع شركة رؤية للإنشاءات 221 مليون جنيه خلال الفترة نفسها.
ومن جهتها، حصلت شركة السلام إنترناشيونال للتجارة والمقاولات على تعاقد تجاوز 266 مليونًا و614 ألف جنيه، لترتفع قيمة العمليات المرصودة إلى أكثر من 35 مليار جنيه.
وفي تقدير محمود وهبة، الباحث والمعلق الاقتصادي المعارض لسياسات الحكومة، فإن جمع هذه العمليات في مسار مباشر يحد من معرفة المعايير التي حُددت على أساسها الشركات الفائزة.
كما أن طبيعة توريد الخامات لمشروع ضخم مثل القطار الكهربائي السريع لا تمنع، في حد ذاتها، اختبار الأسعار أمام أكثر من مورد، خصوصًا مع تجاوز القيمة مليار جنيه.
لكن غياب بيانات تفصيلية عن أسباب اختيار الشركات، ومدد التنفيذ، ومقارنة الأسعار، يجعل الجمهور عاجزًا عن تقييم ما إذا كانت الدولة حصلت على أفضل شروط ممكنة.
وفي المقابل، يسمح الإعلان الكامل عن المناقصات بتحديد الشركات المتقدمة، وقيمة العروض، وأسباب الاستبعاد، بينما يقلل الإسناد المباشر مساحة المعلومات المتاحة للمراقبين والجهات الرقابية.
كما يثير تعدد التعاقدات مع شركات مختلفة سؤالًا إضافيًا حول ما إذا كانت الأعمال قُسمت إلى عمليات منفصلة لتسهيل تمريرها، أم أنها أُسندت وفق احتياجات فنية حقيقية.
وبحسب يزيد صايغ، الباحث في الشؤون العسكرية والاقتصاد السياسي والمعارض لسياسات الحكومة، فإن اتساع دور الكيانات التابعة للدولة داخل الاقتصاد يضعف فرص القطاع الخاص ويصعب مساءلة المستفيدين.
أما على المستوى الإداري، فإن استمرار الإسناد المباشر قد يخلق اعتمادًا مؤسسيًا على القرارات الاستثنائية، ويقلل الحافز لتطوير قواعد منافسة أكثر وضوحًا وعدالة.
القانون يحدد الاستثناءات والحدود
تنص المادة الخامسة من قرار حكومي صدر في نوفمبر 2023 على عدم اللجوء إلى التعاقد بالأمر المباشر، إلا داخل الحالات والحدود التي حددها قانون تنظيم التعاقدات العامة.
وفي المقابل، تحصر المادة 62 التعاقد المباشر في ظروف استثنائية، بينها الحالات الطارئة التي لا تحتمل التأخير، ووجود مصدر احتكاري، وبعض المشتريات ذات الطبيعة الخاصة.
كما تحدد المادة 63 السقوف المالية للسلطات المختصة، إذ يملك رئيس الهيئة التعاقد حتى مليون جنيه للمنقولات والخدمات والأعمال الفنية والدراسات الاستشارية، وخمسة ملايين للمقاولات.
وبالنسبة إلى الوزير أو المحافظ، تصل الحدود إلى عشرة ملايين جنيه في المجموعة الأولى، وعشرين مليونًا في مقاولات الأعمال، بينما يختص مجلس الوزراء بالقيم الأعلى عند الضرورة القصوى.
ويرى محمود وهبة، الباحث والمعلق الاقتصادي المعارض لسياسات الحكومة، أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بوجود الاستثناء القانوني، وإنما بتحويله إلى أداة دائمة تتجاوز روحه المحدودة.
ومن ثم، فإن أي تعاقد يتخطى الحدود العادية يحتاج إلى تفسير منشور يوضح سبب اللجوء إليه، والجهة التي وافقت عليه، والأساس الذي اعتبر الحالة ضرورة قصوى.
وبدون تلك البيانات، تظل الإحالات المالية عرضة لتفسيرات متباينة، خصوصًا عندما تتجاوز قيمة الأعمال عشرات أو مئات الملايين، من دون إظهار منافسة سعرية واضحة.
كذلك، لا تكفي الإشارة إلى طبيعة المشروع القومي لتبرير كل إسناد مباشر، لأن المشروعات الكبرى تحتاج إلى قواعد أكثر صرامة، لا إلى تخفيف مستمر لمتطلبات الرقابة.
وفي قراءة قانونية للوقائع، يبدو أن الفارق بين الاستثناء والاعتياد يتحدد بعدد العمليات وتكرارها، لا بمجرد إعلان الجهة أن التنفيذ يحتاج إلى سرعة أو خبرة خاصة.
ومن ناحية أخرى، فإن نشر التعاقدات بعد إتمامها لا يعوض غياب الإفصاح المسبق، لأن الشركات المنافسة لا تستطيع الاعتراض أو تقديم عروض بديلة بعد اتخاذ القرار.
كما أن تفعيل الرقابة البرلمانية والمحاسبية يتطلب نشر العقود كاملة، وليس الاكتفاء بقيم إجمالية، حتى يمكن فحص شروط الجزاءات، ومواعيد التسليم، وتعديلات الأسعار.
جهات سيادية خارج المنافسة
تسمح المادة 78 بالتعاقد المباشر بين الجهات الحكومية والهيئة العربية للتصنيع، والهيئة القومية للإنتاج الحربي، والمخابرات العامة، دون التقيد بالحدود والإجراءات المالية المعتادة.
لكن هذا الاستثناء الواسع يفتح نقاشًا حول حدود المراجعة المدنية، خاصة عندما تتولى كيانات سيادية تنفيذ أعمال مدنية، أو تحصل على توريدات وخدمات بعشرات الملايين.
وفي الفترة بين فبراير ومايو 2024، أبرمت هيئة الإسعاف المصرية تسعة تعاقدات مع جهات سيادية، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 317 مليون جنيه.
كما شملت العمليات تعاقدًا مع الهيئة العربية للتصنيع بقيمة 99 مليون جنيه، وآخر مع شركة أبو زعبل للصناعات المتخصصة تجاوز 15 مليونًا و230 ألف جنيه.
وفي الوقت نفسه، أبرمت الهيئة ثلاثة تعاقدات مع إدارة الإشارة بوزارة الدفاع، بقيم تجاوزت 56 مليونًا و600 ألف جنيه، ونحو 33 مليون جنيه، و83 مليونًا و600 ألف جنيه.
ويرى يزيد صايغ، الباحث في الشؤون العسكرية والاقتصاد السياسي والمعارض لسياسات الحكومة، أن هذه الصيغة تعزز صعوبة معرفة التكلفة الحقيقية وتمنح المؤسسات السيادية وضعًا استثنائيًا داخل السوق.
كذلك، تعاقد المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء مع المخابرات العامة في يوليو 2024 لتوريد أجهزة علمية بقيمة ثمانية ملايين و800 ألف جنيه.
وفي مايو 2024، أبرمت الهيئة العامة لقصور الثقافة تعاقدًا مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، تجاوزت قيمته 45 مليون جنيه، بما يوسع نطاق التعاملات المباشرة بين المؤسسات المدنية والسيادية.
ومن جهة أخرى، أظهرت المراجعة أن قيمة التعاقدات الحكومية المعلنة التي خضعت للتحليل بلغت 135 مليارًا و697 مليون جنيه خلال 26 شهرًا منشورًا.
وبلغت قيمة التعاقدات التي حصلت عليها شركات الأجهزة السيادية 32 مليارًا و63 مليون جنيه، بما يعادل 23.6 بالمئة من إجمالي القيمة التي شملها التحليل.
وتزداد أهمية هذه النسبة مع غياب بيانات مارس 2024، لأن أي نقص في المعلومات يجعل تقدير الحجم الكامل للتعاقدات السيادية أكثر صعوبة.
وبحسب محمود وهبة، الباحث والمعلق الاقتصادي المعارض لسياسات الحكومة، فإن الإعفاء من الإجراءات لا ينبغي أن يعني الإعفاء من الإفصاح عن القيمة والنتائج والمسؤولية.
امتيازات اقتصادية تثير القلق
يقول محمود وهبة إن الهيئات العسكرية تتمتع بمجموعة من الامتيازات الاقتصادية، بينها استخدام الأراضي العسكرية كحصة في بعض المشروعات، والإعفاءات الضريبية والجمركية.
كما تشمل الامتيازات، وفق طرحه، مزايا مرتبطة بالطاقة والنقل والعملات الأجنبية والعمالة، وهي عناصر تمنح الشركات التابعة للدولة قدرة أكبر على خفض التكلفة مقارنة بالمنافسين المدنيين.
وفي تقديره، يظل الامتياز الأهم هو قدرة الهيئات العسكرية وشركاتها على الحصول على العقود عبر الأمر المباشر أو الإسناد المباشر، بما يستبعد المنافسة في حالات متعددة.
لكن تلك الأفضلية تثير سؤالًا حول مدى خضوع الشركات العسكرية للتدقيق المدني، وحول قدرة الأجهزة الرقابية على مراجعة حساباتها وشروط تعاقداتها بالعمق نفسه المطبق على الشركات الخاصة.
وبينما قد تبرر الحكومة بعض هذه المزايا باعتبارات الأمن القومي، فإن اتساع نطاق استخدامها في الإنشاءات والتوريدات والخدمات المدنية يفرض ضرورة وضع حدود معلنة.
كما يحتاج الاقتصاد إلى تكافؤ نسبي بين المتنافسين، لأن الشركة التي تحصل على إعفاءات أو أراضٍ أو طاقة بشروط تفضيلية تستطيع تقديم عروض لا تعكس تكلفتها الفعلية.
ويرى يزيد صايغ، الباحث في الشؤون العسكرية والاقتصاد السياسي والمعارض لسياسات الحكومة، أن توسع النشاط الاقتصادي للكيانات العسكرية يضعف الفصل بين الدور السيادي والدور التجاري.
ومن ثم، فإن استمرار الغموض يضر بالقطاع الخاص، ويقلل ثقة المستثمرين، ويجعل قياس كفاءة الإنفاق العام أكثر تعقيدًا، خصوصًا في المشروعات التي تعتمد على المال العام.
كذلك، لا تتوقف آثار الأمر المباشر عند قيمة العقد، بل تمتد إلى سوق المقاولات، وفرص التشغيل، وقدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول سلاسل التوريد الحكومية.
وعندما تُغلق المنافسة أمام عدد واسع من الشركات، تتراجع فرص الحصول على أسعار أفضل، وقد تقل جودة الابتكار، حتى لو جرى تنفيذ الأعمال في المواعيد المقررة.
لذلك، تحتاج الدولة إلى نشر مبررات الإسناد المباشر، وأسماء الشركات، وقيمة العقود، ومراحل التنفيذ، وأي تعديلات لاحقة، مع إتاحة فحص مستقل للنتائج.
وفي النهاية، لا تعني سرعة إنجاز الطرق والكباري والقطار الكهربائي السريع أن الرقابة رفاهية، بل تجعل حماية المال العام شرطًا أساسيًا لنجاح هذه المشروعات واستمرار ثقة المواطنين.

