انتقلت أزمة استبعاد أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون إلى ساحات القضاء الإداري، بعدما أقام أكثر من 800 متفوق دعاوى تطعن على حرمانهم من التعيين، وتضع عدالة الاختيار أمام اختبار علني صعب.
وبحسب المعطيات المتاحة، أُقيمت الدعاوى خلال أبريل ومايو 2026، اعتراضًا على تعيينات هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، وسط اعتراضات على تجاوز التفوق الدراسي، وتساؤلات عن دور الخلفيات العائلية والاعتبارات الأمنية.
التفوق يصطدم بأبواب التعيين المغلقة
بحسب مصدرين قضائيين بدرجة نائب رئيس مجلس الدولة، تتعلق الطعون بقراري تعيين دفعتي 2019 و2020، الصادرين في يناير 2026، بعدما وجد خريجون متفوقون أسماءهم خارج قوائم المقبولين في الهيئتين القضائيتين.
وسبق اللجوء إلى المحاكم تقدم أكثر من 1200 مستبعد بتظلمات، بحسب المعلومات الواردة في مارس، دون تلقي ردود وفق الرواية المتاحة، وهو ما دفع الأزمة من الاعتراض الإداري إلى الخصومة القضائية.
ويتمسك الطاعنون بأن تقديراتهم وترتيبهم الدراسي يمنحانهم أولوية تستوجب الاعتبار، وأن اختيار متقدمين أقل تفوقًا يحتاج إلى تفسير قانوني واضح، يمكن فحصه ومناقشته، بدل ترك مصائرهم معلقة أمام أسباب مجهولة.
ولا يعني التفوق وحده استحقاقًا تلقائيًا لكل وظيفة قضائية، لكن وجود شروط أخرى للاختيار يفرض سؤالًا مباشرًا: كيف طُبقت هذه الشروط، وما الأدلة التي بررت استبعاد أصحاب التقديرات الأعلى تحديدًا؟
هنا تتجاوز القضية خيبة أمل فردية؛ فالدولة التي تطالب الطلاب بالاجتهاد تتحمل مسؤولية تفسير نتائج تبدو، وفق اعتراضات المستبعدين، منفصلة عن معيار الجدارة الذي بُنيت عليه آمالهم طوال سنوات الدراسة.
وفي موقف سابق خلال مايو 2015، انتقد محمد البرادعي، القانوني ونائب رئيس الجمهورية السابق، تصريحات حكومية استبعدت أبناء عمال النظافة من القضاء، مؤكدًا المساواة في تولي الوظائف العامة ومركزية العدالة.
ويستدعي ذلك الموقف معيارًا لمساءلة السياسات العامة: هل يستطيع المواطن المنافسة بمؤهلاته، أم تسبقه مكانة أسرته إلى لجنة الاختيار؟ وهو سؤال يفرضه هذا التقرير، دون نسبته إلى البرادعي بشأن الطعون الحالية.
وتستند الدعاوى، وفق المادة المتاحة، إلى أحكام سابقة للإدارية العليا بشأن أولوية المتفوقين وضرورة تبرير تخطيهم، بينما يبقى تحديد انطباق تلك المبادئ على كل طاعن مرتبطًا بأوراق دعواه وأسباب استبعاده.
ويظل غياب التفسير، وفق شكاوى المستبعدين، عنصرًا أساسيًا في الأزمة؛ إذ يصعب إقناع خريج بعدالة منافسة لا يعرف وزن عناصرها، ولا سبب خسارته فيها، ولا كيفية مراجعة النتيجة التي أغلقت طريقه.
امتياز العائلات يلاحق عدالة الاختيار
تزداد حدة الاعتراضات مع تقديرات منشورة سابقًا تفيد بأن أبناء القضاة وأعضاء المؤسسات الأمنية والعسكرية استحوذوا على نسب تتراوح بين 55% و57% من التعيينات، بما يستدعي تدقيقًا علنيًا في معايير المفاضلة.
ولا تكفي القرابة، بمفردها، لإثبات بطلان تعيين شخص أو افتقاده الكفاءة، لكن ارتفاع نسب المنتمين إلى دوائر النفوذ يجعل نشر قواعد الاختيار ونتائج تطبيقها ضرورة لتعزيز الثقة وتبديد الشكوك لدى المتقدمين.
فالمشكلة ليست في حق أبناء القضاة في المنافسة، وإنما في احتمال تحول الخلفية العائلية إلى أفضلية غير معلنة، تضع بقية الخريجين أمام سباق لا تكشف قواعده الفعلية لجميع المشاركين فيه.
وفي نقد سابق خلال مايو 2015، اعتبر الباحث الاقتصادي الاشتراكي تامر وجيه أن اشتراط المكانة الاجتماعية لوظائف القضاء والدبلوماسية يحافظ على الامتياز الطبقي، ويضعف قدرة التعليم على فتح مسارات الترقي الاجتماعي.
ويساعد هذا التحليل السابق على قراءة الأثر الاجتماعي للنزاع الحالي؛ فحين يشك المتفوقون في جدوى شهاداتهم، يتضرر الوعد بأن التعليم يستطيع تحسين مواقعهم، بعيدًا عن الميراث العائلي وشبكات العلاقات والنفوذ.
وتتحمل السلطة السياسية مسؤولية مواجهة هذه الشكوك بالشفافية وإتاحة المعلومات، فيما تتحمل الجهات القضائية المختصة مسؤولية قرارات المفاضلة؛ فلا ينبغي أن تضيع المساءلة بين استقلال المؤسسات وصلاحيات إصدار قرارات التعيين.
والإصلاح المطلوب يبدأ بإعلان عناصر التقييم وأوزانها، وتوثيق نتائج المقابلات، وإتاحة أسباب الاستبعاد لأصحاب الشأن، مع حماية البيانات الشخصية؛ وهي خطوات تجعل مراجعة القرار ممكنة، وتحد من المساحات المتروكة للانطباعات والشبهات.
أما الاكتفاء بإعلان قوائم المقبولين، مع بقاء اعتراضات المتفوقين بلا تفسير مقنع وفق روايتهم، فيترك المجال لاتهامات المحاباة، ويجعل المؤسسات مطالبة بإثبات عدالة إجراءات كان ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية.
التحريات الأمنية تحت اختبار العدالة
وفي جانب آخر من النزاع، تضمنت تقارير هيئة مفوضي الدولة في بعض الدعاوى اعتبارات أمنية، وأحكامًا صادرة بحق أفراد من الأسر، إلى جانب الاستناد أحيانًا إلى ما وُصف بعدم اللياقة المجتمعية.
وتفتح هذه الأسباب سؤالًا بالغ الحساسية حول حدود تقييم المتقدم: هل تُفحص أفعاله ومؤهلاته وسلوكه الشخصي، أم يُحمّل تبعات محيط عائلي لم يختره، ووقائع قد لا تكون له صلة مباشرة بها؟
أما عبارة عدم اللياقة المجتمعية فتحتاج إلى تحديد دقيق؛ لأن تركها فضفاضة يفتح الباب أمام خلط الصلاحية المهنية بالمكانة الاجتماعية، ويجعل معايير القبول قابلة لتفسيرات يصعب على المستبعد توقعها أو مناقشتها.
وفي اعتراض سابق خلال مايو 2015، هاجم الفقيه القانوني محمد نور فرحات تصريحات وزير العدل آنذاك بشأن أبناء عمال النظافة، واعتبرها تمييزية، وساءل موقف رئيس الجمهورية من هذا الخطاب الحكومي.
ويضع ذلك الاعتراض التاريخي معيارًا نقديًا أمام لغة الاستبعاد الاجتماعي: فالوظيفة القضائية تفقد جانبًا من رسالتها إذا أصبح الانتماء الطبقي حاجزًا أمام المنافسة، مهما بلغت كفاءة المتقدم واستقام سلوكه الشخصي.
ولا تمثل تقارير المفوضين أحكامًا نهائية تحسم النزاع؛ وتبقى الأسباب الواردة فيها محل نظر المحكمة، التي تفحص مشروعية القرارات ومدى اتصال مبررات الاستبعاد بظروف كل متقدم، وفق المستندات المطروحة أمامها.
وعلى المستوى العام، لا تكفي الإحالة إلى التحريات لتبديد الاعتراضات؛ فالثقة تتطلب أسبابًا محددة قابلة للفحص القضائي، وتناسبًا بين الوقائع المنسوبة إلى المتقدم والنتيجة التي تحرمه من فرصة مهنية مؤثرة.
وتكشف القضية كلفة اضطرار الخريج إلى خوض نزاع قضائي لفهم سبب استبعاده؛ إذ تتحول سنوات الدراسة والتفوق إلى انتظار إضافي، بينما تظل بداية مساره المهني مرتبطة بنتيجة معركة لم يتوقعها.
وبحسب المعلومات المتاحة، لا تزال الدعاوى منظورة أمام القضاء الإداري؛ ومع استمرارها، يبقى السؤال الذي يواجه المسؤولين: أين تنتهي سلطة الاختيار، وأين يبدأ واجب تقديم تفسير مقنع لتخطي المتفوقين في التعيين؟

