أعادت نتائج مؤشر مدركات الفساد وضع الحكومة المصرية أمام مسؤوليتها السياسية، بعدما تراجعت مصر إلى المرتبة 130 بين 180 دولة، في نتيجة تكشف ضعف حصيلة السياسات المعلنة لحماية المال العام.
وحصلت مصر على 30 نقطة من مئة، مقابل 35 نقطة عام 2023، لتفقد خمس نقاط وتتراجع 22 مرتبة، بينما تظل الأسئلة الأساسية معلقة بشأن استقلال الرقابة وحماية المبلغين وحق المواطنين في المعلومات.
أرقام التراجع تكشف أزمة الحكم
صدر المؤشر عن منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة غير حكومية مستقلة، ويقيس تصورات الخبراء ورجال الأعمال بشأن فساد القطاع العام، ولذلك تعكس نتائجه تقييم بيئة النزاهة دون حصر مباشر لجرائم الفساد.
وتكشف المقارنة الصحيحة أن مصر انتقلت من المرتبة 108 عام 2023 إلى المرتبة 130 عام 2024؛ فالخسارة البالغة خمس نقاط تخص الدرجة، وليست عدد المراكز التي تراجعتها البلاد في الترتيب الدولي.
كما تمثل الثلاثون نقطة عودة إلى المستوى المسجل عام 2022، بما يوضح أن التحسن اللاحق لم يتحول إلى تقدم مستقر، ويضع فعالية الإجراءات الحكومية المعلنة تحت اختبار جدي يتجاوز الاحتفاء الإعلامي.
وفي تحليل مشترك، تربط كندة حتر، المستشارة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة الشفافية الدولية، تعثر مكافحة الفساد بتركيز السلطة وتقييد المعارضة، وتتناول مصر ضمن أمثلة غياب الشفافية في المشتريات العامة.
وتفتح هذه القراءة سؤالًا سياسيًا مباشرًا: كيف تستطيع مؤسسات الرقابة أداء مهمتها عندما تضيق مساحة الاعتراض؟ فالمساءلة تحتاج قدرة على السؤال والتحقيق والنشر، وتتضرر عندما يصبح كشف الخلل مصدر خطر على صاحبه.
ولا تستطيع الحكومة تحويل إعلان الاستراتيجيات إلى دليل كافٍ على نجاحها، لأن المعيار الحقيقي يتعلق بقدرة المؤسسات على منع تضارب المصالح، وكشف المخالفات، وإخضاع أصحاب النفوذ للقواعد نفسها المفروضة على بقية المواطنين.
ويصبح التراجع أكثر إحراجًا حين تقارن السلطة بين طموحاتها المعلنة وحصيلتها القابلة للقياس؛ فالمواطن يحتاج ضمانات تحمي الضرائب والموارد العامة، ويستحق تفسيرًا واضحًا لأسباب استمرار ضعف التقييم رغم الوعود المتكررة بالإصلاح.
ومع أن المؤشر لا يثبت وحده مسؤولية جهة محددة عن جريمة، فإنه يفرض مساءلة الحكومة عن بيئة الإدارة العامة، وعن النتائج الفعلية لسياسات يفترض أنها تستهدف تقليص فرص الفساد داخل المؤسسات.
المبلغون مكشوفون والرقابة تفقد استقلالها
ويحمّل عبد الحميد كمال، البرلماني السابق والخبير في الإدارة المحلية، الحكومة مسؤولية قصور أدوات المواجهة، منتقدًا تأخر حماية الشهود والمبلغين، وما يترتب عليه من تعريض كاشفي المخالفات للاضطهاد الوظيفي داخل الأجهزة الرسمية.
وفي انتقاداته المنشورة تعليقًا على النتائج، اعتبر كمال أن استبعاد الرقابة الشعبية والمجتمع المدني يضعف المكافحة، وحذر من تشكيل ترتيبات رقابية يشارك فيها مسؤولون يفترض أن تخضع أعمالهم نفسها للفحص والمراجعة.
وتكشف هذه الانتقادات مأزقًا جوهريًا في تصميم الرقابة: عندما يراجع المسؤول أداء دائرته دون استقلال كافٍ، تتسع احتمالات تضارب المصالح، ويصبح اكتشاف التجاوز مرتبطًا باستعداد المؤسسة للاعتراف بما يدين إدارتها أمام الجمهور.
وحماية المبلغ تبدأ بضمان ألا يدفع ثمن شهادته من وظيفته وأمانه وسمعته؛ فأي منظومة تترك الموظف وحيدًا أمام رؤسائه تمنح الصمت أفضلية عملية، وتضعف فرص وصول الأدلة إلى جهات التحقيق المختصة.
ومن هنا، تبدو مطالبة المواطنين بالإبلاغ ناقصة ما لم تقترن بإجراءات حماية قابلة للتنفيذ، وقنوات مستقلة لتلقي الشكاوى، وآليات واضحة لمواجهة الانتقام الإداري، ومتابعة تضمن عدم دفن البلاغ داخل الجهة المشكو منها.
أما اللجان التي تفتقر إلى صلاحيات معلنة ونتائج منشورة، فلا يستطيع الجمهور تقييم جدواها؛ إذ لا تكفي اجتماعات المسؤولين لإثبات تحسن النزاهة، ما دامت تفاصيل المتابعة والتوصيات والتنفيذ بعيدة عن الفحص المستقل.
وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم إجابات محددة بشأن فاعلية مؤسساتها: كم توصية رقابية نُفذت؟ وكيف عولج تضارب المصالح؟ وما الضمانات المتاحة للمبلغين؟ فهذه أسئلة تتعلق بإدارة أموال المواطنين وليست منحة تمنحها السلطة.
وتظل المحاسبة منقوصة حين تقتصر على المخالفات الصغيرة، بينما تغيب القدرة العامة على فحص القرارات الكبرى؛ فالردع يستمد قيمته من شمول القواعد وعدالة تطبيقها، ووصول التحقيق إلى كل مستوى يستدعيه الدليل.
احتكار المعلومات يضاعف كلفة الفساد
وفي التحليل المشترك نفسه، يدعو مانويل بيرينو، المستشار الإقليمي بمنظمة الشفافية الدولية، إلى فصل السلطات وإشراك المجتمع المدني والجمهور، باعتبارها متطلبات لتجاوز الاستبداد وبناء نظم نزاهة تتيح محاسبة القادة على إدارة الموارد.
ويضع هذا الطرح احتكار المعلومات في قلب الأزمة؛ فحين يصعب تتبع الإنفاق والعقود، تتراجع قدرة المجتمع على مقارنة الأسعار وتقييم الأولويات، وتصبح الرواية الرسمية المصدر المهيمن للحكم على كفاءة الأداء الحكومي.
وتبدأ شفافية المشتريات بإتاحة قواعد التنافس وأسباب الاختيار وقيم التعاقد ومراحل التنفيذ، على نحو يسمح بمراجعة القرارات وتحديد المسؤوليات، ويقلل مساحة التبريرات الفضفاضة التي قد تستخدم لحجب الإخفاق أو حماية المصالح.
والكلفة المحتملة للفساد تتجاوز الأموال المهدرة؛ إذ يمكن أن تظهر في خدمة أضعف، ومنافسة مختلة، وفرص تضيع على شركات ملتزمة، ومواطن يضطر إلى البحث عن واسطة للحصول على حق يفترض إتاحته للجميع.
ولذلك فإن تحميل الأسر أعباء مالية يستدعي تشديد مساءلة المسؤولين عن كفاءة الإنفاق؛ فمن غير المقبول سياسيًا مطالبة المواطنين بتحمل التكاليف بينما تبقى قدرتهم على مراجعة أوجه استخدام الموارد العامة محدودة.
وتتيح الصحافة المستقلة والعمل الأهلي والرقابة البرلمانية فرصًا لكشف الخلل مبكرًا، بشرط إتاحة المعلومات وحماية القائمين بالفحص؛ أما التعامل مع النقد باعتباره تهديدًا، فيحرم الإدارة من أدوات ضرورية لتصحيح أخطائها ومحاسبة المقصرين.
والإصلاح القابل للتصديق يحتاج نشر نتائج الرقابة، وتوضيح مصير توصياتها، وإعلان معايير التعاقد والتعيين، وضمان استقلال التحقيقات؛ وهي إجراءات تسمح بقياس التقدم عبر وقائع يمكن مراجعتها، وتمنع اختزال النزاهة في شعارات احتفالية.
وتبقى المرتبة 130 عنوانًا لإخفاق يستوجب جوابًا سياسيًا وإداريًا واضحًا؛ فحماية المال العام تبدأ عندما تصبح الحكومة قابلة للمساءلة، ويملك المواطن أدوات مراقبتها، ويستطيع المبلغ كشف المخالفة دون أن يتحول إلى ضحيتها.

