لم يعد مطلب أهالي كفر شاويش بإنشاء سور خرساني بطول 250 مترًا مجرد اقتراح هندسي، بل صار اختبارًا لمسؤولية حكومة لم تنه أزمة تسرب مياه بحر فاقوس إلى المنازل والأراضي منذ أكثر من عامين.
في القرية التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، تتجاور المستنقعات مع مخاوف السكان على بيوتهم وأرزاقهم، بينما تبقى الحماية معلقة بين التمويل والدراسات، في مشهد يكشف الفجوة بين مخاطبات الأجهزة الحكومية واحتياجات المواطنين العاجلة.
القرية تغرق والتمويل ينتظر القرار
يقول الدكتور أسامة زايد، نائب رئيس تحرير جريدة الجمهورية وأحد أبناء القرية، إن تسرب المياه أغرق مساحات زراعية وأضر بمنازل، مطالبًا بتحرك عاجل يمنع تفاقم الأضرار ويحمي السكان وممتلكاتهم من استمرار التسرب.
وفي شهادة نشرتها «المصري اليوم» يوم 5 سبتمبر 2026، تحدث زايد عن تضرر نحو 25 أسرة، موضحًا أن الشكاوى وصلت إلى المحافظة ووزارة الري ورئاسة الوزراء، دون إنهاء المشكلة على الأرض.
وبحسب شهادات الأهالي، ترافق تجمع المياه مع انتشار الناموس والذباب والقوارض، خصوصًا صيفًا، بما يضاعف مخاوف السكان على صحتهم؛ فيما تغيب عن التقارير المنشورة نتائج فحوص بيئية وصحية تحسم طبيعة المخاطر.
ولا يجوز اختزال المعاناة في إزعاج الحشرات؛ فالأهالي يتحدثون عن ممتلكات وأراضٍ متضررة، ويستحقون حصرًا رسميًا للخسائر وفحصًا للمنازل، بدل ترك المخاوف بشأن سلامتها معلقة على التخمين والانتظار المفتوح أمام الأسر.
وفي رد نشره «اليوم السابع» يوم 31 أغسطس 2026، نقلت محافظة الشرقية عن الجهات المختصة عدم توافر ميزانية للحائط الخرساني، وأن مجلس مدينة فاقوس خاطب وزارة الري وينتظر توفير التمويل.
وفي نقد سابق لأولويات الإنفاق، قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في حوار مع «مينا برس» خلال يوليو 2024، إن الحكومة تركز على مشروعات مظهرية بدلًا من التنمية واستثمار الموارد، منتقدًا إهمال الزراعة والصناعة.
ويتيح هذا النقد قراءة أزمة القرية بوصفها سؤالًا عن ترتيب الأولويات، لا مجرد نقص مالي؛ فحماية المساكن والأرض المنتجة ينبغي أن تسبق تجميل الصورة، وأن تظهر بوضوح في قرارات الإنفاق.
وعندما تصبح عبارة عدم توافر الميزانية جوابًا على مياه تتسرب إلى البيوت، فإن التقصير يتجاوز تأخر مشروع؛ إذ تتحول حماية المواطنين من التزام حكومي عاجل إلى طلب ينتظر مكانه داخل المكاتبات.
سور الحماية ليس بديلًا للدراسة
يريد الأهالي إنشاء سور خرساني يبدأ من أمام شارع السوق حتى خليج صدقي، بطول يقارب 250 مترًا، مع توفير التمويل ودراسة التربة، لمنع استمرار تسرب المياه نحو المناطق السكنية والزراعية.
لكن السور يظل حلًا مقترحًا، وليس وصفة نهائية ثبتت صلاحيتها؛ فالمطلوب من الجهات المختصة تحديد مصدر الرشح وطبيعته، ثم إعلان المعالجة المناسبة، بدل دفع الأهالي للاختيار بين الغرق ومشروع مجهول الكفاءة.
وبحسب رواية زايد المنشورة في سبتمبر، عاينت لجنة من معهد بحوث وصيانة القنوات الموقع خلال يوليو، لكن المعاينة الظاهرية لم تحسم السبب، وجاءت التوصية بإجراء دراسة هيدروليكية وإنشائية قبل تحديد الحل.
وأوضح المهندس محمد قاسم، رئيس الإدارة المركزية للموارد المائية والري بالشرقية، أن مناسيب وأساسات المباني تقل بنحو 90 سنتيمترًا عن مياه بحر فاقوس خلال موسم أقصى الاحتياجات، ما يستدعي دراسة دقيقة.
وفي نقد سابق لجودة تنفيذ مشروعات المياه، قال الدكتور نادر نور الدين، خبير الموارد المائية، للتلفزيون العربي في يناير 2023، إن بعض أعمال تبطين الترع أظهرت تشققات ونمو أعشاب بين الفواصل.
ولا يمثل حديث نور الدين تشخيصًا لحالة كفر شاويش، لكنه يبرز خطورة مساواة صب الخرسانة بإنجاز الحماية؛ فالمطلوب حل مناسب للموقع، لا أعمال تُعلن مكتملة بينما تبقى المشكلة أو تعود لاحقًا.
ومن هنا، ينبغي أن يشمل القرار الفني تقييم البدائل واشتراطات التنفيذ وآليات المتابعة، مع إعلان مبررات اختيار السور أو غيره؛ فلا تُنفق الأموال لإسكات الشكوى مؤقتًا، ثم يُترك الأهالي أمام تسرب جديد.
غير أن ضرورة الدراسة لا تبرر استمرار الانتظار بلا سقف؛ فمن حق السكان معرفة موعد انتهاء الفحوص، والجهة المسؤولة عن اعتماد النتائج، وخطة الحماية المؤقتة، بدل الاكتفاء بإحالات لا تكشف موعد التنفيذ.
مكاتبات متبادلة لا توقف التسرب
ويؤكد زايد تقديم شكوى عبر منظومة الشكاوى الحكومية تحمل رقم 375861، لكن قيمة المنظومة لا تقاس بقدرتها على تسجيل الاستغاثات؛ بل بقدرتها على تحويلها إلى إجراءات تحمي المواطنين وتوقف الضرر.
وفي الرد المنشور يوم 5 سبتمبر، أكد مسؤول الري بالشرقية أن الدراسات تنفذها معاهد متخصصة تابعة للمركز القومي لبحوث المياه؛ وهو تحرك يستحق المتابعة، لكنه لا يعادل إنجاز الحل أو إنهاء معاناة السكان.
وفي تصريحات لموقع «نيوز رووم» خلال يناير 2026، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، إن بعض الترع بُطنت دون تطوير الشبكات الأساسية، مما حد من الاستفادة المرجوة من أعمال التأهيل.
وربط شراقي نجاح إدارة المياه بالكفاءة والصلاحيات التنفيذية والرقابة المتواصلة، مع إقراره بحجم الإنفاق الحكومي، معتبرًا أن توافر الموارد لا يضمن حسن الاستفادة منها دون تحسين الإدارة والتخطيط والتنفيذ على الأرض.
وعلى هذا الأساس، لا يكفي أن تؤدي كل جهة جزءًا من الإجراءات ثم تتوقف؛ المطلوب مسؤولية تنفيذية واضحة تجمع المحافظة والري والجهات المعنية، بحيث يعرف المواطن من يملك القرار ومن يحاسب على تأخيره.
ويجب أن تتوازى الدراسات مع إجراءات عاجلة يحددها المختصون للتعامل الآمن مع تجمعات المياه ومكافحة الحشرات وفحص المنازل المتضررة؛ فلا يُترك السكان بلا حماية حتى تنتهي الدورة الإدارية للاعتماد والطرح والتنفيذ.
كما ينبغي إعلان الكلفة التقديرية بعد اعتماد الحل الفني، ومصدر التمويل والبرنامج الزمني، بدل إبقاء الميزانية عنوانًا غامضًا؛ فالأهالي يطلبون حماية محددة، ومن حقهم معرفة أسباب تعطلها ومسؤولية كل جهة عنها.
أما حصر الأضرار الزراعية والسكنية، فيجب ألا يؤجل إلى ما بعد التنفيذ؛ إذ يلزم توثيق الخسائر وبحث سبل جبرها، ومراجعة أسباب امتداد الأزمة، حتى لا يصبح إصلاح الخلل وسيلة لإغلاق ملف المسؤولية.
في النهاية، تختصر مسافة 250 مترًا امتحانًا قاسيًا للحكومة: هل تحمي الناس قبل اتساع الضرر، أم تواصل إدارة معاناتهم بالمكاتبات؟ كفر شاويش تحتاج قرارًا ممولًا وحلًا مدروسًا، لا رقم شكوى جديدًا.

