قد يقول من خاضوا المخاطر ونجحوا، إن التغيير حتمي وإن علينا احتضانه، بينما يؤكد من عاشوا في قلب عدم اليقين أن الإيمان القوي والثقة بأن الأمور ستتحسن كفيلان بإيصالنا إلى بر الأمان. لكن عندما ترتجف من القلق ولا تعرف أي طريق تسلك، قد تبدو هذه النصائح مطمئنة بقدر نشرة جوية، فتجد نفسك تحدق في هاوية المجهول التي تمتد أمامك. فماذا تفعل عندما يلازمك الشعور بعدم اليقين في كل لحظة، وكيف تدير نفسك بصورة أفضل عندما يبدو المستقبل قاتمًا ويصعب معرفة طريقك فيه؟
يحدد طبيب الطب النفسي سريني بيلاي، في مقاله المنشور بموقع سايكولوجي توداي، خمسة مصادر رئيسية لعدم اليقين يمكن التعامل معها لمساعدتك على التكيف مع عالم متغير باستمرار. وينشأ عدم اليقين من مدخلات غامضة، أو ضوضاء خارجية وداخلية، أو نقص المعلومات، أو معالجة المعلومات بصورة غير مثالية. وعندما يواجهك عدم اليقين، لا تحاول حل كل شيء دفعة واحدة، بل اسأل نفسك أولًا: من أين يأتي هذا الشعور؟ ثم اختر الأداة التي تناسب مصدره الأساسي.
أعد تفسير المواقف الغامضة وفلتر الضوضاء المحيطة بك
قد يتأخر أشخاص في الرد على رسائلك الإلكترونية، أو يرسلون لك إشارات متضاربة بشأن استقرار وظيفتك، أو يدفعونك إلى التشكيك في علاقاتك. وقد تبدو هذه المواقف الغامضة مهددة، خصوصًا أن بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة للتحيز نحو التفسيرات السلبية.
ابدأ بالتشكيك في رد فعلك الأول. فعندما يكون الموقف غامضًا، قد يكون تفسيرك الأول أكثر سلبية مما يستحقه الموقف بالفعل. امنح عقلك وقتًا قبل أن تقرر معنى ما يحدث، حتى تتاح له فرصة التفكير في تفسيرات أخرى. ثم ابحث عن احتمال أكثر إيجابية، واسأل نفسك: «ماذا يمكن أن يعني هذا أيضًا؟».
ولا تأتي الضوضاء من داخلك فقط، بل تحيط بك يوميًا أخبار عن النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي، وتهديد الوظائف، وأحداث العنف العشوائية، والكوارث العالمية المحتملة. ومن المهم أن تظل مطلعًا، لكن من الضروري أيضًا التمييز بين أن تكون على اطلاع وبين أن تعيش في حالة تأهب مستمر.
خفف الضوضاء بإزالة مصادر التشتيت غير الضرورية متى أمكن، وقوِّ الإشارة من خلال إبراز ما يستحق اهتمامك، ثم ركز على المعلومات المهمة ووجّه انتباهك إليها.
هدّئ الضوضاء الداخلية وتعلّم التنقل في المجهول
قد تكون في بعض الأحيان قلقًا أو مضطربًا أو مثقلًا بالضغوط أو حزينًا أو محبطًا بالفعل، وعندها تجعل هذه الضوضاء الداخلية الشعور بعدم اليقين أكثر حدة. وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص في ظروف عدم اليقين يتوقعون، في 75% من الحالات، حدوث أمور سيئة رغم أنها لا تحدث بالفعل.
وللتعامل مع ذلك، اتخذ خطوة واحدة تخفف عنك الشعور بالإرهاق، واستخدم حديثًا داخليًا يذكّرك بأن العقل البشري يميل طبيعيًا إلى تضخيم السلبيات. كذلك، ابنِ توقعًا إيجابيًا في حياتك من خلال إدراج حدث واحد مبهج على الأقل في كل أسبوع والتطلع إليه.
وعندما تكون المشكلة ناتجة عن نقص المعلومات، تخلَّ عن التفكير الاحتمالي لصالح التفكير في الإمكانات. فلا تحاول التنبؤ بما سيحدث في بيئات لا يمكن التنبؤ بها، بل تخيل ما تريده واحتفظ بهذه الصورة في ذهنك.
واستخدم ما يسميه الكاتب «الثقة الوجودية»، بحيث تحدد التزاماتك وقراراتك واقعك بدلًا من ترك الواقع يحددها بالكامل. وانتقل كذلك من محاولة السيطرة إلى المراقبة؛ فبدلًا من محاولة التحكم في حياتك داخل عالم لا يمكن التحكم فيه، استخدم مواردك الداخلية للملاحظة والاستجابة لما يحدث.
أعد ضبط طريقة تفكيرك وتعامل مع ناقدك الداخلي
قد لا تنظر إلى مستقبلك بأفضل طريقة ممكنة، أو قد تفتقر إلى الموارد اللازمة لتطبيق الاستراتيجيات السابقة. والخطوة الأولى هنا هي تقبل ذلك بدلًا من القلق بشأنه. ويمكن أن يساعد القبول العقل على الانفصال بدرجة أكبر عن الألم، ما يقلل من قوة تركيز أنظمة الدماغ المرتبطة بالانتباه والانفعالات والتفكير المتمحور حول الذات عليه.
وشكك في افتراضاتك السابقة؛ فكثيرًا ما ندخل في عملية اتخاذ القرار ونحن نحمل توقعات راسخة في أذهاننا، ثم نحاول العثور على أدلة تؤكد ما نعتقده أصلًا. لذلك، اسأل نفسك عن مدى صحة هذه التوقعات، مثل افتراض أنك لن تجد أبدًا ما تبحث عنه.
وجرّب تخيل النقيض. ففي فترات قصيرة، استخدم الحديث الداخلي لتقول لنفسك عكس ما تخشاه أكثر شيء. وإذا كان أكبر مخاوفك هو ألا تحصل على ما تريد، فجرّب تخيل احتمال تحقق العكس بدلًا من الاستسلام للتوقع السلبي.
ولا تسمح للناقد الداخلي بأن يقودك إلى مهاجمة نفسك. لاحظ صوت النقد عندما يظهر، ثم رد عليه باللطف والتفهم بدلًا من جلد الذات، وذكّر نفسك بأن المعاناة وعدم الكمال جزءان طبيعيان من التجربة الإنسانية.
ولن تحتاج إلى استخدام جميع هذه الاستراتيجيات في وقت واحد. فعندما يضربك عدم اليقين، حدد مصدره أولًا: هل الموقف غامض؟ هل تحيط بك ضوضاء خارجية أو داخلية أكثر من اللازم؟ هل تفتقر ببساطة إلى المعلومات؟ أم أن طريقة تفكيرك نفسها تحتاج إلى تعديل؟
حدد المصدر، ثم اختر واحدة من الاستراتيجيات الثلاث التي تناسبه. فالهدف ليس القضاء على عدم اليقين، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على معرفة ما ينبغي فعله عندما يظهر في حياتك.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/debunking-myths-of-the-mind/202608/how-to-thrive-amid-uncertainty-in-an-endlessly-changing

