تتجه بريطانيا إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه الاحتلال الإسرائيلي، عبر فرض حظر على استيراد السلع المنتجة في المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تقييد خدمات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني وفرض عقوبات على شركات وأفراد يشاركون في تمويل أو تنفيذ مشاريع المستوطنات.
وتأتي الخطوة البريطانية في إطار تحول أوسع داخل عدد من الدول الغربية، مع إعلان فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى تحركات مماثلة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لسياسة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار بناء المستوطنات، خصوصاً في منطقة إي1 شرقي القدس.
لندن تنتقل من الإدانة للحظر
أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن حكومته ستمنع استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، كما ستفرض عقوبات على شركات وأفراد يقدمون خدمات مرتبطة بتوسيعها، من بينها البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات والإعلانات.
وأكد الوزير أن الإجراءات تستهدف المستوطنات وتوسعها، وليس التجارة مع إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967، في محاولة من لندن للتأكيد على أن سياستها الجديدة موجهة ضد المشروع الاستيطاني وليس ضد إسرائيل ككل.
وتشمل الإجراءات كذلك إنشاء نظام جديد للعقوبات، مع استثناءات دينية مناسبة، إلى جانب فرض عقوبات على عدد من المستوطنين. ومن المنتظر أن يحتاج التشريع الخاص بحظر التجارة مع المستوطنات إلى فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر حتى يدخل حيز التنفيذ.
ووصف ميليباند الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بأنه غير قانوني، كما تحدث عن وجود تطهير عرقي للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، مشيراً إلى عمليات هدم المنازل والطرق والبنية التحتية وتهجير عائلات فلسطينية من منازلها.
وقال إن مشروع إي1 الاستيطاني يمثل خطراً مباشراً على إمكانية تطبيق حل الدولتين، باعتبار أن إقامة تجمعات استيطانية واسعة في تلك المنطقة يمكن أن تقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها.
وفي الوقت نفسه، شدد الوزير البريطاني على استمرار التعاون مع إسرائيل في المجالات المرتبطة بالأمن القومي، مؤكداً أن الخلاف يتعلق بسياسات الحكومة الإسرائيلية وسلوكها في الأراضي الفلسطينية، وليس بحق إسرائيل في الوجود.
فرنسا وكندا تلتحقان ببريطانيا
لم تقتصر التحركات على لندن، إذ أعلنت فرنسا وكندا أيضاً اتخاذ خطوات لمنع استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما أعلنت دول أخرى استعدادها لدعم إجراءات إضافية ضد النشاط الاستيطاني.
وضمت قائمة الدول التي أعلنت دعمها للتحرك أو استعدادها لاتخاذ خطوات مماثلة الدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، إلى جانب بريطانيا وفرنسا وكندا.
وأكدت الدول الثلاث في بيان مشترك أن التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين يمثلان تهديداً مباشراً لإمكانية إقامة دولة فلسطينية، وأن حماية حل الدولتين تتطلب اتخاذ إجراءات عملية.
وقالت فرنسا إن توسع المستوطنات بصورة متسارعة وتصاعد عنف المستوطنين كانا من الأسباب الرئيسية وراء قرارها، فيما أكدت كندا أن المستوطنات تقوض الجهود الرامية إلى الوصول إلى سلام طويل الأمد يقوم على حل الدولتين.
ورغم أن التجارة مع المستوطنات محدودة مقارنة بحجم التجارة بين الدول الغربية وإسرائيل، فإن الإجراءات تحمل أهمية سياسية كبيرة، لأنها ترسل إشارة إلى أن بعض الحلفاء التقليديين لإسرائيل بدأوا يربطون علاقاتهم الاقتصادية بموقفهم من الاستيطان والقانون الدولي.
أوروبا تمهد للحظر منذ سنوات
لم يكن التحرك الأوروبي تجاه المستوطنات مفاجئاً بالكامل، فقد اتخذ الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية إجراءات مختلفة للتفريق بين المنتجات الإسرائيلية والسلع القادمة من المستوطنات.
ومنذ عام 2005، لا تستفيد منتجات المستوطنات من المعاملة الجمركية التفضيلية الممنوحة بموجب اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، كما فُرضت ترتيبات للتأكد من تحديد مكان إنتاج السلع وشهادات منشئها.
وفي عام 2015، أصدرت المفوضية الأوروبية تعليمات بشأن بيانات منشأ المنتجات القادمة من الأراضي المحتلة عام 1967، بحيث لا يتم وضع عبارة "صنع في إسرائيل" على المنتجات القادمة من المستوطنات.
كما أكدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي ضرورة تحديد مصدر المنتجات القادمة من الأراضي المحتلة، وخاصة السلع المنتجة في المستوطنات.
وتطور الموقف الأوروبي لاحقاً إلى فرض عقوبات على مستوطنين وكيانات مرتبطة بالعنف ضد الفلسطينيين. ففي عام 2024، فرض الاتحاد الأوروبي إجراءات شملت تجميد أصول ومنع توفير الأموال والموارد الاقتصادية وفرض قيود على السفر بحق عدد من الأفراد والكيانات.
ومع استمرار التوسع الاستيطاني والحرب على غزة، تصاعدت داخل الاتحاد الأوروبي الدعوات لاتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية أوسع، بما في ذلك تعليق بعض المزايا التجارية المرتبطة باتفاقية الشراكة مع إسرائيل.
خلاف أوروبي حول العقوبات
رغم تنامي الأصوات المطالبة بإجراءات أقوى، ظل الاتحاد الأوروبي منقسماً بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل.
ودفعت إسبانيا وإيرلندا باتجاه تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية الإسرائيلية، بينما عارضت دول أخرى اتخاذ إجراءات اقتصادية واسعة. كما برزت مقترحات لتشديد القيود على تجارة المستوطنات، في حين لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى إجماع على الحظر الكامل.
وفي يوليو، طرحت المفوضية الأوروبية خيارات للتعامل مع تجارة المستوطنات، تراوحت بين تشديد نظام تراخيص المنتجات، وفرض رسوم جمركية أو عقوبات تجارية، وصولاً إلى خيار الحظر الكامل.
ورغم حصول خيار الحظر على دعم ملحوظ، لم تتوافر الأغلبية المطلوبة لاتخاذ القرار.
رد إسرائيلي وتصعيد دبلوماسي
أثار القرار البريطاني غضباً واسعاً داخل حكومة الاحتلال، وسارعت تل أبيب إلى الإعلان عن إجراءات مضادة.
وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن القنصلية البريطانية في القدس ستغلق، كما سيتم إبعاد ممثلي بريطانيا من مقر القيادة والتنسيق في كريات جات، ومنع بريطانيا من تدريب قوات السلطة الفلسطينية في رام الله.
وأعلنت إسرائيل كذلك منع دخول 12 مسؤولاً بريطانياً، متهمة إياهم بالمشاركة في أنشطة معادية لإسرائيل وللسامية، فيما هدد ساعر باتخاذ إجراءات أخرى ضد دول قد تنضم إلى التحرك الدولي ضد المستوطنات.
كما دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى طرد السفير البريطاني، بينما طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس.
وتنظر الحكومة الإسرائيلية إلى التحركات الغربية باعتبارها ضغطاً سياسياً متزايداً على مشروع الاستيطان، في ظل وجود وزراء في الحكومة الحالية يرتبطون بشكل مباشر بالحركة الاستيطانية ويدعمون توسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
واشنطن تتجنب التصعيد
في الوقت الذي ردت فيه إسرائيل بغضب شديد، جاء الموقف الأمريكي أكثر تحفظاً، رغم صدور تهديدات من مسؤولين أمريكيين بإمكانية اتخاذ إجراءات ضد الشركات البريطانية.
وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قد ألمح إلى احتمال تعرض الشركات البريطانية لتداعيات في بعض الولايات الأمريكية، مشيراً إلى قوانين محلية تستهدف الشركات التي تشارك في مقاطعة إسرائيل.
كما حذر النائب الجمهوري راندي باين من إمكانية تطبيق قانون في ولاية فلوريدا ضد شركات تشارك في مقاطعة إسرائيل، قائلاً إن الشركات البريطانية قد تواجه خسائر أو قيوداً في التعامل مع السلطات المحلية إذا اضطرت إلى تطبيق سياسة الحظر البريطانية.
لكن وزارة الخارجية الأمريكية لم تصدر إدانة حادة للقرار البريطاني. وقال وزير الخارجية ماركو روبيو إن واشنطن أُبلغت مسبقاً بالخطوة البريطانية، مؤكداً أن الولايات المتحدة تشترك مع لندن في هدف تحقيق الاستقرار ومنع تصاعد العنف في الضفة الغربية.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقال إنه سيبحث الأمر مع إسرائيل لمعرفة وجهة نظرها، مضيفاً أنه يريد فهم سبب حدوث هذه التحركات "فجأة".
ويعكس هذا الموقف، بحسب تحليلات إعلامية، قدراً من الحذر الأمريكي في التعامل مع الخلافات بين حكومة الاحتلال وبعض حلفائها الغربيين، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول إدارة الحرب في غزة وعنف المستوطنين في الضفة.
تأييد شعبي وانتقادات حقوقية
يتزامن التصعيد الحكومي مع تنامي التأييد الشعبي البريطاني لاتخاذ إجراءات ضد المستوطنات. وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن نسبة المؤيدين لحظر التجارة مع المستوطنات تفوق بوضوح نسبة المعارضين.
ورحبت منظمة العفو الدولية بالخطوة البريطانية والدولية، لكنها اعتبرتها متأخرة ولا تكفي وحدها للوفاء بالالتزامات القانونية الدولية.
ودعت المنظمة إلى اتخاذ إجراءات إضافية لإنهاء الاحتلال، ووقف الدعم السياسي والمالي والعسكري لإسرائيل، إلى جانب فرض حظر على مبيعات الأسلحة.
وتستند هذه المطالب إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، والذي أكد التزامات الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناتج عن الاحتلال وعدم تقديم المساعدة أو العون في استمراره.
انقسام داخل المجتمع اليهودي
ولم يقتصر الجدل على الحكومات والمؤسسات الدولية، بل امتد إلى المجتمع اليهودي في بريطانيا، حيث ظهرت مواقف متباينة تجاه العقوبات.
ففي مقابل اعتراض كبير الحاخامات في بريطانيا ومؤسسات يهودية رئيسية على الإجراءات، أعلن عدد من الحاخامات دعمهم للعقوبات، مؤكدين أن مواجهة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين لا تتعارض مع الدفاع عن أمن اليهود أو رفض معاداة السامية.
ومن بين الأصوات المؤيدة الحاخام جوناثان ويتنبرغ، الذي تحدث عن مشاهدته آثار عنف المستوطنين خلال زيارة إلى قرية أم الخير في الضفة الغربية، معتبراً أن استمرار الوضع القائم يفرض مسؤولية أخلاقية على من يرفضون العنف والاحتلال.
كما أيدت الحاخامة ألكسندرا رايت والحاخام جيريمي غوردون والحاخام ليف تايلور العقوبات، مؤكدين أن الجالية اليهودية البريطانية ليست كتلة واحدة، وأن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا ينبغي أن يساوى تلقائياً بمعاداة السامية.

