وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
يهتف الرئيس اللبناني العسكري، العماد جوزاف عون، ببراءة طالب يقطع خطواته الأولى في دراسة العلوم العسكرية: "السؤال المطروح اليوم هو: هل تريد إسرائيل السلام أم الحرب؟ وإذا كانت تريد الحرب، فليكن ذلك معلوما بوضوح". ... هكذا بكلّ وضوح يعبّر الرئيس اللبناني عن عدم إدراكه معنى الكيان الصهيوني، في اللحظة التي أدركت فيها بريطانيا التي أسّست هذا الكيان الاستعماري معنى "إسرائيل"، وبدأت بالفعل اتخاذ إجراءات عملية للتصدي لحالة السعار الاستيطاني التي تدفعها لمحاربة الجميع واستباحتهم.
مُدهشٌ حقًا أنّ الرئيس اللبناني الذي تُعربد قوات الاحتلال الصهيوني في أرضه، وتستبيح جنوبه وشماله، ولا تفوّت يومًا من دون حصيلة مُعتبرة من أرواح الشعب اللبناني، لا يزال لا يعرف ماذا تريد إسرائيل، بينما طيرانها العسكري يحمل الإجابة ويحلّق على ارتفاع مُنخفض جدًًا فوق رأسه حيث يجلس في قصر بعبدا، مقرّ الرئاسة اللبنانية. وكأنّ إعلانات جنرالات الاحتلال اليومية عن البقاء في الأراضي التي احتلوها بالجنوب اللبناني، وعدم التفكير في الانسحاب منها لم تصل إلى مسامعه، أو كأنّه لا يرى الاحتفالات الإسرائيلية بالسيطرة على تلة علي الطاهر واحتلالها وتوسيع المساحة الخاضعة للكيان الصهيوني حتى النبطية، وربّما كان عون يسمع ويرى، ويعرف عن الصهاينة أكثر ممّا يعرفون عن أنفسهم، لكنّه لا يطيق أن يُقال عنهم إنّهم ليسوا سوى عصابات شكّلت جيشًا ولا تشبع من دماء العرب أو تتوقّف عن الهجوم والقتل أبدًا.
لا يزال عون يتساءل مُندهشًا، على الرغم من أنّ إسرائيليين عرفوا الإجابة ودوّنوها في أدبياتهم منذ عقود، مثل مؤرخهم شلومو ساند الذي وضع كتابًا كاملًا في عقيدة العدوان الصهيونية قال فيه "إن وضعًا فيه الكثير من القوّة لا ينتج شرًّا مفسدًا فقط، بل ينتج أيضًا شعورًا بالتسلط لا يطاق على البشر الآخرين، ويفضي، في نهاية المطاف، إلى التسلط على المكان. وكلي ثقة بأن أجدادي معدومي القوة، والذين عاشوا في نطاق الاستيطان في أوروبا الشرقية لم يدركوا ما الذي سيرتكبه ذراريهم في الأرض المقدسة". وعلى دربه يذهب مؤرّخ يهودي آخر، هو آدم راز، الذي أكّد في كتابه "نهب الممتلكات العربية" أنّ النهب والسلب لم يكن عملًا فرديًّا للمنظمات الإرهابية اليهودية أو الجيش الإسرائيلي، بل كان سياسة رسمية للدولة الصهيونية، باتت أكثر علنية في حرب 1967، عندما سلبت ونهبت متاجر القدس في البلدة القديمة.
الأطماع الصهيونية في أراضي سورية ولبنان وما يسميه اللصوص "أرض إسرائيل" تتجسّد في حالة حرب دائمة يعيشها المجتمع الصهيوني، بصقوره وحمائمه، وبحاخاماته وجنرالاته وحكومته ومعارضته، غير أنّ التعريف الجامع المانع للكيان الصهيوني تجده في ما يطبّقه المستوطنون عمليًّا كلّ يوم، والذي جعل وزير الخارجية البريطاني الجديد، اليهودي، إد ميليباند، يعلن قرارًا تاريخيًّا بفرض عقوبات على المستوطنين، وحظرًا للتعامل التجاري مع المستوطنات، ويقول بصوت عال إنّ الوضع في فلسطين يشكّل حالة طوارئ أخلاقية، وأنّ ما تقوم به حكومة نتنياهو في غزّة أصبح وصمة عار على ضمير العالم، وهناك أدلة متزايدة على ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي.
تأتي بريطانيا بعد دول أوروبية عدّة اتخذت إجراءات عملية صارمة ضدّ الإجرام الصهيوني الموصوف بحسب القرارات الدولية وأحكام القضاء العالمي بجرائم حرب وعمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي، وحدها واشنطن التى ترى عكس ذلك، كونها شريكًا رئيسًا في كلّ جرائم الحروب الإسرائيلية، ولذلك تُعاقب كلّ من يجهر بكلمة حقّ ضدّ الاحتلال الصهيوني، وتُعيّن سفيرًا لها أكثر صهيونية من ساسة إسرائيل.
يحتاج الرئيس اللبناني الذي منح الكيان الصهيوني على مائدة السلام الكاذب ترخيصًا بارتكاب جرائم حرب في عمق الأراضي اللبنانية إلى أن يتعلّم ممّا يقوله الأوروبيون أنفسهم عن إسرائيل بوصفها كيانًا مؤسّسًا على الحرب في كلّ وقت وفي كلّ مكان، ذلك أنّ في التخلّي عن عقيدة الافتراس واستباحة الأغيار هلاكها ونهايتها، وأمامه تجربة فلسطين ما بعد "أوسلو"، وعلى مرمى بصره ممارسات المستوطنين الإجرامية، والمدعومة من حكومة نتنياهو، ليحصل على إجابة عن سؤاله: ماذا تريد إسرائيل؟ وخلفه التاريخ يقول إنّ هذا الكيان عصابات احتلال يقودها مجرمون وليس دولة يحكمها سياسيون، هكذا بدأت إسرائيل، وهكذا تحيا، وهكذا سوف تنتهي، حيث يعتبر المستعمرون الأرض العربية كلّها ساحة حرب.
يبقى الأسوأ من سؤال جوزاف عون تلك الرقاعة الاستراتيجية التي تعزو هذا الجنون العدواني إلى اعتبارات وألاعيب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وكأنّها لحظة طيش موسمية تنتاب المُتنافسين على أصوات المُقترعين، وكأنّ ما قبل الحروب العدوانية وبعدها كان حفلات موسيقية مجانية تقيمها إسرائيل في كلّ مدينة عربية.

