اشتعلت جبهات اليمن مجدداً، مع توسع المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين في تعز والحديدة والساحل الغربي، وسط خسائر بشرية ونزوح جماعي.
وتهدد التحركات العسكرية بإسقاط سنوات التهدئة الهشة، بعدما انتقلت العمليات من اشتباكات محدودة إلى هجمات برية وغارات جوية واستخدام مكثف للطائرات المسيّرة.
شهدت محافظة تعز، الساعات الماضية أعنف المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين منذ سنوات، خصوصاً في المناطق الغربية والجنوبية للمحافظة.
وأفادت مصادر عسكرية وطبية بمقتل أكثر من 60 شخصاً، بينهم مقاتلون ومدنيون، خلال ساعات من الاشتباكات والقصف المتبادل في تعز ومحيطها.
وبحسب حصيلة نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، قُتل 26 عنصراً من القوات الحكومية، مقابل 31 من عناصر الحوثيين، إلى جانب ضحايا مدنيين.
وتزامنت المواجهات مع وصول تعزيزات عسكرية من مناطق خاضعة للحكومة، بهدف وقف تقدم الحوثيين واستعادة المواقع التي فقدتها القوات خلال الهجمات الأخيرة.
وأعلنت القوات الحكومية شن عملية داخل معسكر اللبنات في تعز، قالت إنها استهدفت تجمعات وعناصر وقدرات عسكرية تابعة لجماعة الحوثيين.
ونقل التلفزيون الرسمي عن متحدث عسكري أن الهجوم جاء رداً على تصعيد الحوثيين وقصفهم مواقع عسكرية ومناطق مأهولة خلال الأيام الماضية.
وهزت انفجارات قوية مدينة تعز، بينما تحدثت تقارير ميدانية عن استخدام وزارة الدفاع اليمنية أسلحة وقدرات نوعية أُدخلت إلى الخدمة حديثاً.
ولم تصدر جماعة الحوثيين حصيلة تفصيلية لخسائرها، لكنها واصلت حشد مقاتليها وإرسال تعزيزات إلى مناطق القتال في غرب تعز وجنوب الحديدة.
معارك على جبهات واسعة
وامتدت المواجهات إلى جبل الوترة الواقع بين تعز ولحج، حيث شنت القوات الحكومية هجمات متتالية لاستعادة مواقع مرتفعة تشرف على طرق استراتيجية.
وأفادت وسائل إعلام يمنية بأن القوات الحكومية سيطرت على مرتفعي سعيد طه وذيبان في مديرية حيفان، عقب اشتباكات عنيفة مع الحوثيين.
وتمنح تلك المرتفعات القوات المسيطرة قدرة على مراقبة خطوط الإمداد والتحرك بين تعز ولحج، ما يجعلها هدفاً رئيسياً للطرفين.
كما أعلنت القوات الحكومية استعادة مرتفعات أخرى غربي تعز، وسط محاولات لمنع الحوثيين من تثبيت مواقعهم أو الاقتراب من الطرق المؤدية إلى الساحل.
وفي الحديدة، تركزت المعارك جنوب مديرية الجراحي، حيث نفذت القوات الحكومية هجوماً معاكساً بإسناد من قوات العمالقة وتشكيلات المقاومة الوطنية.
وقال الوكيل المساعد لوزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، إن القوات الحكومية أسرت عشرات الحوثيين خلال المعارك الدائرة في الجراحي.
وأضافت مصادر ميدانية أن طائرات مسيّرة تابعة للمقاومة الوطنية استهدفت تعزيزات حوثية كانت تتحرك جنوب المديرية لدعم خطوط القتال.
وتحدثت التقارير عن سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال الغارات والهجمات البرية، من دون إعلان حصيلة نهائية مستقلة لخسائر الطرفين.
وأعلنت القوات الحكومية كذلك السيطرة على مديرية حيس جنوبي الحديدة، وهي منطقة تربط محافظات الحديدة وتعز وإب وتتمتع بأهمية عسكرية ولوجستية.
وتتيح السيطرة على حيس مراقبة طرق الإمداد بين المحافظات الثلاث، كما تمنح القوات الحكومية موقعاً متقدماً على امتداد الساحل الغربي.
المدنيون يدفعون الثمن
أعاد التصعيد العسكري مشاهد الحرب المفتوحة إلى المناطق السكنية، بعدما تعرضت طرق ومناطق مدنية في تعز للقصف وسقط ضحايا بعيداً عن مواقع المواجهات.
وأعلنت وكالة الأنباء اليمنية مقتل أربعة مدنيين وإصابة تسعة آخرين، جراء قصف حوثي استهدف تجمعاً بطريق هيجة العبد الرابط بين تعز وعدن.
وفي واقعة أخرى، تحدثت مصادر طبية عن مقتل ستة مدنيين وإصابة سبعة، إثر سقوط صاروخ على حافلة داخل مدينة تعز.
وتكشف الحصائل المتباينة اتساع رقعة الاستهداف وصعوبة توثيق الخسائر، في ظل استمرار المعارك وتعذر وصول فرق الإغاثة إلى بعض المناطق.
ويعد طريق هيجة العبد شرياناً حيوياً لسكان تعز، خصوصاً بعد سنوات من إغلاق الطرق الرئيسية وفرض قيود على حركة المدنيين والبضائع.
وأدى استهداف الطريق إلى إثارة مخاوف من عودة العزلة المفروضة على المحافظة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتراجع وصول المساعدات الإنسانية.
وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية نزوح نحو 1790 أسرة خلال يومين فقط، بعد تصاعد القتال في محافظة تعز.
وبدأت موجة النزوح منذ 3 سبتمبر، مع اشتداد القصف والاشتباكات في مديريتي مقبنة وجبل حبشي والمناطق القريبة من خطوط التماس.
وأوضحت التقارير الإنسانية أن حركة النزوح كانت مستمرة أثناء إعداد الحصيلة، ما يعني احتمال ارتفاع الأرقام مع اتساع المواجهات.
وتواجه الأسر النازحة نقصاً في المأوى والغذاء والمياه والخدمات الصحية، بينما تعاني مخيمات النزوح القديمة أصلاً من ضعف التمويل وتدهور المرافق.
وتأتي الأزمة الجديدة في بلد يحتاج ملايين سكانه إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي.
وتخشى المنظمات الإنسانية من إغلاق الطرق المؤدية إلى تعز والحديدة، بما يعرقل نقل الغذاء والأدوية ويضاعف معاناة السكان المحاصرين.
كما يؤدي القصف قرب المناطق الزراعية إلى تعطيل مصادر الدخل، وإجبار المزارعين على ترك أراضيهم ومواشيهم بحثاً عن أماكن أكثر أمناً.
ويهدد استمرار القتال بانهيار الخدمات الصحية المحدودة، خصوصاً مع استقبال المستشفيات أعداداً متزايدة من الجرحى ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتبقى أعداد الضحايا مرشحة للارتفاع، بسبب وجود مصابين في حالات حرجة، وصعوبة انتشال الجثامين والوصول إلى المناطق القريبة من الجبهات.
باب المندب تحت التهديد
لا تنفصل معارك تعز والحديدة عن الصراع للسيطرة على الساحل الغربي والمواقع المطلة على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية عالمياً.
وتسعى جماعة الحوثيين إلى توسيع نفوذها في المناطق الغربية لتعزيز قدرتها على الضغط على حركة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
في المقابل، تحاول القوات الحكومية بناء حزام عسكري يمنع الحوثيين من الوصول إلى المرتفعات والموانئ القريبة من المضيق الاستراتيجي.
وحذرت الحكومة اليمنية من أن أي تحرك حوثي باتجاه باب المندب سيواجه ما وصفته بـ«استنزاف قاس»، مؤكدة استعدادها لحماية الساحل.
ويمثل المضيق ممراً رئيسياً للسفن المتجهة نحو قناة السويس، ولذلك فإن أي اضطراب جديد قد يرفع تكاليف النقل والتأمين والتجارة الدولية.
ويزداد القلق الإقليمي مع ارتباط الحوثيين بإيران وامتلاكهم صواريخ وطائرات مسيّرة قادرة على تهديد السفن والمنشآت الساحلية والموانئ.
وجاءت العمليات الحكومية بعد غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين، بالتزامن مع تحركات برية لاستعادة المبادرة وتغيير خريطة السيطرة.
وأعلن رشاد العليمي أن القوات المسلحة انتزعت المبادرة ميدانياً، مؤكداً قدرتها على استعادة كامل الأراضي الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وقال إن تعز لن تكون ممراً آمناً لمشروعات داعمي الحوثيين، محذراً الجماعة من عواقب استمرار الهجمات وتوسيع جبهات القتال.
وأضاف العليمي أن الحوثيين اختاروا اختبار الدولة في واحدة من أكثر جبهات اليمن صلابة، معتبراً أن حساباتهم ستفتح أبواب سقوطهم الشامل.
وتعكس تصريحات العليمي انتقال خطاب الحكومة من الدفاع واحتواء الهجمات إلى التلويح بعملية أوسع تستهدف تغيير موازين القوى.
لكن قدرة الحكومة على توسيع الهجوم ستظل مرتبطة بوحدة تشكيلاتها العسكرية، واستمرار الدعم الخارجي، وتأمين خطوط الإمداد الطويلة بالساحل وتعز.
في المقابل، يحتفظ الحوثيون بقوة عسكرية كبيرة ومخزون من الصواريخ والمسيّرات، إضافة إلى مواقع جبلية تمنحهم قدرة على المناورة والاستنزاف.
ويجعل ذلك حسم المعركة سريعاً احتمالاً صعباً، بينما يبقى خطر تحول التصعيد إلى حرب واسعة قائماً مع فتح جبهات جديدة.
ويبدو اليمن أمام مرحلة بالغة الخطورة، فكل تقدم ميداني قد يستدعي هجوماً مضاداً، وكل ضربة قد توسع دائرة الانتقام والقصف.
وبين تهديدات الحوثيين ووعود الحكومة بالحسم، يظل المدنيون الطرف الأكثر تضرراً، بينما تتراجع فرص التسوية أمام لغة السلاح والتحشيد.
ويحمل نزوح 1790 أسرة خلال يومين إنذاراً مبكراً بأن استمرار المعارك سيطلق موجة إنسانية جديدة تفوق قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة.
ومع تجاوز حصيلة الساعات الماضية 60 قتيلاً، أصبحت معارك تعز والحديدة اختباراً حقيقياً لمستقبل التهدئة، ولمصير اليمن بعد سنوات من الحرب المنهكة.

