عبد الناصر سلامة
رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق
سوف تظل مقولة الرئيس المصري الراحل، حسني مبارك: "المتغطي بالأمريكان عريان" ماثلة للأذهان، أمام أي رئيس لمصر حاليًا ومستقبلًا، بل ماثلة للأذهان أمام عامة الشعب، مع كل زيارة لرئيس دولة كبرى، كالصين وروسيا بشكل خاص، ومع أي توقيع لاتفاقيات عسكرية، سواء تعلقت بالدفاع أو التسليح، ذلك أنها المقولة التي نطق بها مبارك بصدق ومرارة، وقت أن تخلت عنه واشنطن عام 2011، عندما طالبه الرئيس الأسبق باراك أوباما، بالتنحي قائلًا "الآن"، بل ثبت أن مبارك كان يرددها دائمًا في منتدياته الخاصة، ما يشير إلى أنه كان يتوقع ما حدث.
من هنا، كانت إدارة مبارك، السياسية والاقتصادية والعسكرية، تحرص على فتح آفاق واسعة للتعاون مع القوى العالمية المختلفة، حتى وصل الأمر إلى أن كشفت واشنطن عن علاقات عسكرية مع كوريا الشمالية، تتعلق بالتسليح، كانت كفيلة بتوتير العلاقات مع القاهرة، ما يشير إلى أن مصر خلال رئاسة مبارك، التي امتدّت إلى 30 عامًا، لم تكن تشعر بالارتياح أبدًا لمسار العلاقات مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تنحاز فيه السياسة الأمريكية أيما انحياز لممارسات الكيان الصهيوني في المنطقة، وما يتعلق منها بالإبادة هنا، وأطماع التوسع هناك.
يمكن القول إذن، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لمصر، لمدة ثلاثة أيام، هي بحق زيارة تاريخيّة، على الرغم من أنها الثانية للرجل، بعد عشر سنوات من زيارته الأولى، ما يشير إلى أن رؤية مبارك ما زالت تفرض نفسها على السياسة الخارجية المصرية، بشأن المخاوف من الولايات المتحدة الأمريكية، وما تفرضه من حظر على أنواع متطورة ومتعددة من السلاح، تختص بها الكيان الصهيوني، وما تفرضه أيضًا من حظر على أنواع متعددة من التكنولوجيا المتقدمة، تختص بها أيضًا الكيان، ناهيك عن المواقف السياسية الأمريكية المثيرة للجدل، والتي من شأنها إثارة التوترات في المنطقة، ليس ذلك فقط، بل إثارة الحروب.
لا شك أن هناك صراعًا أمريكيًا- صينيًا واضحًا على الأفضلية في العلاقات مع مصر، لأسباب عديدة؛ أهمها الجغرافيا المصرية، وما تمثله من أهمية للممر البحري الصيني ومبادرة الحزام والطريق الصينية، وخط مرور الكابل البحري الصيني لأوروبا ودول أورومتوسطية، وأيضًا ما تمثله قناة السويس للولايات المتحدة، كممر عالمي هادئ ذي أهمية كبيرة، في الوقت الذي ترتبك فيه الممرات الأخرى في المنطقة بتعقيداتها المزمنة، خصوصًا باب المندب ومضيق هرمز، إضافة إلى استقرار الجبهة المصرية مع الكيان الصهيوني، الأمر الذي يمثل أهمية قصوى لواشنطن، خصوصًا في ظل التوترات الحالية بالمنطقة.
زيارة الرئيس الصيني لمصر تحمل الكثير على كل الأصعدة، حيث تتواجد استثمارات لـ3366 شركة صينية في أنحاء البلاد، ونحو 150 شركة صينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وحدها، وتأمل مصر في مضاعفة هذا النوع من التعاون، خصوصًا بناء مراكز الذكاء الاصطناعي من خلال شركة هاواوي، وهو ما دعا واشنطن إلى الإسراع بعرض منافس في هذا الشأن من خلال تحالف شركات. كما تبحث مصر مع بكين تطبيق نظام "BeiDou" الصيني للملاحة، عبر الأقمار الاصطناعية، واستخدامه في عدد من القطاعات، وقد تكون مصر قاعدة محتملة للتصنيع الذي يربط الصين بأسواق متعددة، في أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وكانت مصر أول دولة في المنطقة، عربية وأفريقية، تعترف بالصين الشعبية عام 1956، دون انتظار اعتراف الأمم المتحدة بها عام 1971، وأقامت معها آنذاك علاقات دبلوماسية، في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ساهمت في مزيد من الاعتراف الأفريقي والعربي، ما جعل العلاقات المصرية- الصينية، متميزة على مدى سبعة عقود، حيث يصادف هذا العام ذكرى مرور 70 عامًا على إقامة هذه العلاقات، الأمر الذي أكد عليه الرئيس الصيني في مقال نشرته الصحف المصرية أول أيام الزيارة، مع تأكيده أيضًا على حضارة البلدين عبر آلاف السنين، الأمر الذي اعتبره المراقبون خصوصية بعث بها إلى واشنطن، بموازاة رسالته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال زيارته للصين، التي أشار فيها شي جين إلى أشجار معمرة هناك، أي منذ ما قبل اكتشاف الولايات المتحدة بمئات السنين.
بالتأكيد، سوف تمثل الخصوصية في العلاقات المصرية مع الصين، أزمة مع الولايات إن عاجلًا أو آجلًا، إلا أنها في كل الأحوال مغامرة جريئة، تُحسب للدبلوماسية المصرية، التي اختارت الوقت المناسب لاتخاذ هذه الخطوة، حيث الورطة الأمريكية في المستنقع الإيراني، وحيث التراجع الأمريكي على الساحة الأوروبية، بل ربما على الساحة العالمية، في الوقت الذي كشفت فيه أحداث ما بعد طوفان الأقصى عن متغيرات عسكرية عديدة، كان يجب تداركها مصريًا، أيًا كانت العواقب.
وقد كانت عملية التسليح والاعتماد على الولايات المتحدة في هذا الشأن، أهم الدروس المستفادة، بعد عملية "البيجر" الشهيرة، التي استخدمت في تصفية أنصار حزب الله اللبناني، كما عملية "الواتساب" التي استخدمت في قتل قادة إيران، كما نظام الـ"GPS" لتحديد المواقع باستخدام الأقمار الصناعية، الذي تم التحكم فيه لتضليل الصواريخ الإيرانية وصواريخ جماعة أنصار الله باليمن، إضافة إلى محاور أخرى تتعلق بأقمار التجسس الأمريكية والأوروبية، وتكنولوجيا الطائرات القتالية، وأجهزة التنصت وغيرها.
كل المؤشرات تؤكد أن الاتجاه المصري نحو التسلح من خارج القطاع الأمريكي- الغربي أصبح أمرًا حتميًا، مع استمرار الكيان الصهيوني في محاولات فرض السيطرة على المنطقة، وهو ما دعا أيضًا إلى تنوع المناورات العسكرية بين مصر والعديد من الدول، في مقدمتها الصين، في الوقت الذي يلتقي فيه البلدان اقتصاديًا داخل تكتل "البريكس"، بتبادل تجاري يصل إلى نحو 20 مليار دولار، وهو وإن كان يميل إلى الصين بشكل كبير، إلا أن الثروات التعدينية غير المستغلة بمصر قد تمثل تحولًا في المستقبل القريب.
على أية حال، قد تكون الحفاوة التي استُقبل بها الرئيس الصيني في مصر استثنائية، إلا أنها تنسجم مع الترحيب الشعبي بالرجل، حيث يرى فيه الرأي العام إضافة سياسية واقتصادية وعسكرية، على عكس العلاقات غير المريحة مع الولايات المتحدة، وعلى عكس علاقات أخرى مريبة مع دول شقيقة، لا ترى في مصر إلا شراء الأراضي، والاستحواذ على الأصول، والاستثمار في مشروعات المنتجعات، ومزيدا من الديون، ومحاولة التأثير في صناعة القرار، وهو الأمر الذي يشير إلى تحولات قد تكون جذرية في العلاقات الخارجية المصرية.
في الوقت نفسه، يجب الوضع في الاعتبار أن هذا التنافس الأمريكي- الصيني، والروسي أيضًا، على الحالة المصرية، رغم ضعفها الاقتصادي، ومشاكلها الداخلية، وتحدياتها الإقليمية؛ يكشف عن مكنونات قوة كبيرة في التركيبة المصرية، قد تتمثل إضافة إلى الجغرافيا السياسية، في الثروة البشرية، والاستقرار الأمني، والقوة العسكرية، والدور المحوري بين الأطراف المتصارعة في المنطقة حاليًا، ما يشكل إضافة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلًا، نحو مزيد من الاستقرار، ومزيد من الاستمرار. إلا أنه في الوقت نفسه، ما يجري يمثل قلقًا بالغًا، يجب وضعه في الاعتبار، خصوصًا مع قراءة تاريخ المؤامرات الاستعمارية، أو بمعنى أدق: المخاوف من الانتقام الأمريكي- الصهيوني، في آن واحد، على الرغم من أن "المتغطي بالأمريكان عريان" في كل الأحوال.

