وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

إذا كانت الموافقة على نزع السلاح من يد شعب يقاوم الاحتلال عارًا في كلّ وقت، فإنّ العمل على تحقيق هذا الهدف في قطاع غزّة في هذه اللحظة الراهنة يصبح جريمة خيانة وطنية وقومية وإنسانية بحقّ أكثر من سبعين ألف شهيد فلسطيني في حرب الإبادة على قطاع غزّة.

 

تقول اللحظة الراهنة إنّ هناك مجلسًا يتخذ اسم "مجلس السلام" برئاسة دونالد ترامب يقوم بمهام أقذر من مهام قوّة "المستعربين" التي يستخدمها جيش الاحتلال في رصد وحصد رؤوس المقاومين الفلسطينيين، إذ باتت الوظيفة الوحيدة لهذا المجلس الذي منحه الذين يدعون أشقاء غزّة إلى أعدائها، هي توفير بيئة آمنة ومُيسِّرة للاحتلال الصهيوني لكي يواصل تحقيق أهدافه الخفية منها والمعلنة داخل قطاع غزّة، في مقدمتها تعقّب وتصفية كلّ ما له علاقة بالمقاومة الفلسطينية في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

المعادلة المفروضة من "مجلس السلام" على قطاع غزّة يعبّر عنها أصدق تعبير وزير الحرب الإسرائيلي المجرم  كاتس بقوله "مقابل كل شعرة تسقط من رأس طفل إسرائيلي في بلدات غلاف غزّة سنطيح برؤوس قادة حماس في القطاع". وكان التطبيق العملي لهذه المعادلة أمس هجومًا إسرائيليًّا اشتمل على استخدام كلّ الأسلحة لاستهداف القيادي الأمني في صفوف المقاومة البطل معين العرابيد، الذي خاض أمس معركة تُذكّر بمعركة الشهيد الرمز يحيى السنوار الأخيرة، وصمد فيها وحده بمواجهة جيش الاحتلال حتى لقي الشهادة مُمسكًا بسلاحه، حيث بقي العرابيد يقاتل قوات العدو حتى آحر لحظة، وحتى أُصيب برصاص المعتدين واعتُقل، بعد ملحمة باسلة خاضها، ومعه زوجته، التي حملت السلاح وبقيت تُحارب الغزاة مع زوجها حتى استشهدت رفقة ابنتها بعد أن قتلت اثنين من مجرمي القوّة الخاصة الصهيونية.

 

 هذه الملحمة توجّه رسالة بالدم لكلّ المُتواطئين مع مطلب نزع سلاح الشعب الفلسطيني في غزّة، من أوّل الإدارة الأميركية إلى مجلس السلام، مرورًا بالوسطاء والقيادات السياسية الفلسطينية، تقول الرسالة إنّه من العار أن تضغط على شعب واقع تحت الاحتلال كي يسلّم سلاحه ليتسنى للعدو قتله بأقلّ تكلفة ممكنة، وهذه الرسالة ليست اختراعًا جديدًا أو بدعة، بل هي الحدّ الأدنى من الكرامة الوطنية والإنسانية، وهي لا تختلف في مضمونها كثيرًا عن أدبيات قيادات حماس السياسية، وأهمها البيان الصادر من الحركة في أعقاب إقرار مجلس الأمن لما سُميّت "خطة ترامب للسلام"، والتعريف الأدق لها هو صك تسليم غزّة الذي منحه العرب للرئيس الأميركي في شرم الشيخ.

 

يقول البيان الصادر عن حركة حماس في 17 نوفمبر 2025 بعد سويعات من قرار مجلس الأمن ما يلي: تعقيبًا على اعتماد مجلس الأمن الدولي مشروع القرار الأميركي بشأن غزّة، تؤكّد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أنّ هذا القرار لا يرتقي إلى مستوى مطالب وحقوق شعبنا الفلسطيني السياسية والإنسانية، ولا سيما في قطاع غزّة، الذي واجه على مدى عامين كاملين حربَ إبادةٍ وحشية وجرائم غير مسبوقة ارتكبها الاحتلال الإرهابي أمام سمع وبصر العالم، ولا تزال آثارها وتداعياتها ممتدّة ومتواصلة رغم الإعلان عن إنهاء الحرب وفق خطّة الرئيس ترامب.

 

وأضاف البيان "يفرض القرار آليةَ وصايةٍ دولية على قطاع غزة، وهو ما يرفضه شعبنا وقواه وفصائله، كما يفرض آليةً لتحقيق أهداف الاحتلال التي فشل في تحقيقها عبر حرب الإبادة الوحشية. كما ينزع هذا القرار قطاعَ غزّة عن باقي الجغرافية الفلسطينية، ويحاول فرض وقائع جديدة بعيدًا عن ثوابت شعبنا وحقوقه الوطنية المشروعة، بما يحرم شعبنا من حقّه في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس".

 

ومضى يقول "إن مقاومة الاحتلال بكل الوسائل حقٌّ مشروع كفلته القوانين والمواثيق الدولية، وإن سلاح المقاومة مرتبط بوجود الاحتلال، وأيّ نقاش في ملف السلاح يجب أن يبقى شأنًا وطنيًا داخليًا مرتبطًا بمسار سياسي يضمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة وتقرير المصير. وإنّ تكليف القوّة الدولية بمهام وأدوار داخل قطاع غزّة، منها نزع سلاح المقاومة، ينزع عنها صفة الحيادية ويحوّلها إلى طرف في الصراع لصالح الاحتلال. وإنّ أيّ قوة دولية، في حال إنشائها، يجب أن تتواجد على الحدود فقط، للفصل بين القوات، ومراقبة وقف إطلاق النار، وأن تخضع بالكامل لإشراف الأمم المتحدة، وأن تعمل حصريًا بالتنسيق مع المؤسسات الفلسطينية الرسمية، من دون أن يكون للاحتلال أيّ دور فيها، وأن تعمل على ضمان تدفّق المساعدات، دون أن تتحول إلى سلطة أمنية تلاحق شعبنا ومقاومته".

 

هذا البيان القاطع الواضح كان ينبغي أن يبقى دستورًا مُلزمًا لكلّ إنسان فلسطيني، داخل غزّة أم خارجها، مقاومًا كان أم مواطنًا عاديًا، غير أنّ الضغوط والحيل والوعود المنقوعة في عسل ترامب المُسمّم أوصلتنا إلى الوضع الحالي بكلّ ما فيه من بؤس وضياع، ومن ثم يصبح الاستمرار في الحديث عن نزع السلاح أو تسليمه أو حتى تخزينه نوعًا من الانتحار السياسي والأخلاقي، لكلّ من يدّعي الحرص على بقاء قضية الشعب الفلسطيني حيّة، بوصفها قضية شعب باحث عن التحرّر من الاحتلال، وليس جماعة عرقية تسعى إلى تحسين شروط الحياة تحت وصاية الغرباء وجبروت الأعداء وتهافت الأشقاء.