حذّر الإعلامي توفيق عكاشة من بلوغ مخاطر سد النهضة درجاتها القصوى، بعدما اعتبر التقارب الأمريكي الإثيوبي والدعم الصيني لأديس أبابا أسقطا رهانات القاهرة، وجعلا استعادة الملف أولوية لا تحتمل التأجيل.

 

ويضع تحذير عكاشة السيسي أمام حصيلة، إذ انتقل السد خلال عهده من مشروع قيد الإنشاء إلى منشأة مكتملة، بينما بقي الاتفاق الملزم غائباً، وتحولت الخطوط الحمراء إلى عبارات بلا أثر.

 

 

رهان تبدد أمام السد

 

وفي التفاصيل، لم يطالب ترامب السيسي بضرب السد، لكنه قال عام 2020 إن مصر قد تفجره، قبل أن يعرض الوساطة، ما يكشف هشاشة تعليق أمن المياه على ترامب وإدارته المتقلبة.

 

وبدلاً من بناء أوراق ضغط مبكرة، وقّع السيسي إعلان المبادئ عام 2015، ومنح إثيوبيا إطاراً تعاونياً واصلت تحته البناء، فيما أخفقت القاهرة في انتزاع قواعد ملزمة للملء والتشغيل طوال عقد.

 

وبحسب أستاذ الموارد المائية نادر نور الدين، استعجلت مصر توقيع إعلان المبادئ، بينما السد مضر بها دائماً، وهي شهادة تنقل النقاش من تبرير الإخفاق إلى مساءلة القرار الذي بدد وقتاً.

 

كذلك يرى نور الدين أن إثيوبيا لا تريد توقيع اتفاق يقيد تصرفها، ما يعني أن تكرار المسار بالشروط لم يكن إدارة للأزمة، بل استنزافاً سمح بتحويل الأمر الواقع إلى بنية.

 

وفوق ذلك، افتتحت إثيوبيا السد في سبتمبر 2025 بسعة تقارب 74 مليار متر مكعب، بعدما أجرت الملء والتشغيل منفردة، بينما اكتفت السلطة المصرية برسائل اعتراض ومراقبة تطورات صنعتها أديس أبابا.

 

ومع أن القاهرة أعلنت انتهاء مسار التفاوض عام 2023 بسبب التعنت الإثيوبي، فإنها لم تعرض للرأي العام بديلاً للقياس، ولم تحدد كلفة الفشل أو المسؤولين عنه أو سقفاً زمنياً لتحرك مختلف.

 

لهذا تبدو مطالبة عكاشة باعتبار الملف فرض عين إدانة لسنوات إدارة اتسمت برد الفعل، لأن الخطر لم يظهر فجأة، بل نما أمام مؤسسات الدولة حتى صار التشغيل الأحادي حقيقة يومية.

 

وعليه، لا تكمن الأزمة في تبدل نبرة ترامب، وإنما في أن السيسي راهن على وساطات متقلبة، من واشنطن إلى الاتحاد الأفريقي، من دون امتلاك اتفاق يحمي التدفقات خلال الجفاف الممتد.

 

تشغيل بلا قيود

 

في المقابل، يؤكد أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية عباس شراقي أن التصريحات الإثيوبية استفزازية، وأن التشغيل المنفرد يظل جوهر الخطر، خصوصاً عندما تتباين كميات الفيضان وتصبح قرارات التخزين والتصريف خارج تنسيق.

 

ومن زاوية أخرى، كشفت فيضانات 2025 حساسية الإدارة الأحادية، بعدما اتهمت القاهرة أديس أبابا بإطلاق تصريفات مفاجئة، فيما نفت إثيوبيا المسؤولية، وبقي سكان وادي النيل أمام روايتين بلا آلية للتحقق.

 

وبالمثل، يوضح شراقي أن الضرر الأكبر يظهر في سنوات الجفاف المتتابع، حين يصبح احتجاز المياه أو إطلاقها قراراً مصيرياً، وهو تحديداً ما فشلت رئاسة السيسي في إخضاعه لقواعد قانونية ملزمة.

 

ورغم ترديد الحكومة أن السد لا يستطيع حجب النيل نهائياً، فإن القضية ليست انقطاعاً، بل توقيت التدفقات وحجمها وأثرها في الزراعة والكهرباء ومخزون السد العالي، وهي تفاصيل لا تحميها الطمأنات.

 

ثم إن غياب تبادل البيانات المنتظم يضع إدارة المياه المصرية أمام تقديرات ناقصة، ويزيد كلفة التحوط، ويجعل كل موسم فيضان اختباراً جديداً، بينما تملك إثيوبيا بوابات التحكم والمعلومة التشغيلية معاً.

 

أبعد من ذلك، يمنح اكتمال السد أديس أبابا نفوذاً أكبر مما كان لديها عام 2015، ويكشف أن سياسة شراء الوقت خدمت الطرف الباني، لا الطرف المنتظر لنتائج مفاوضات بلا ضمانات.

 

هكذا تحولت عبارة السيسي بأن مياه مصر لن يمسها أحد إلى وعد غير قابل للاختبار، لأن الدولة لم تنشر معياراً للضرر، ولا بيانات مستقلة تتيح للمصريين محاسبة السلطة على إدارتها.

 

حلفاء إثيوبيا وفشل القاهرة

 

أما الدعم الصيني، فلم يقتصر على خطاب، إذ موّلت بكين بنحو 1٫2 مليار دولار خطوط نقل الكهرباء المرتبطة بالسد، فساعدت على تحويل الخرسانة الإثيوبية إلى مشروع طاقة قابل للتشغيل والتصدير.

 

وفي هذا السياق، يقول وزير الري الأسبق محمد نصر علام إن إثيوبيا لم تنجز الدراسات ولم تتفق مع دولتي المصب على قواعد الملء والتشغيل، رغم إلزام إعلان المبادئ الأطراف بهذه المسارات.

 

بيد أن شهادة علام تفتح السؤال الأصعب، لماذا تمسكت القاهرة باتفاق لم تُنفذ التزاماته، ولم تعلن تجميده أو الطعن في جدواه، بينما استخدمته إثيوبيا غطاء لاستكمال البناء وفرض الوقائع تباعاً.

 

وعلاوة على ذلك، لا يثبت المتاح ادعاء عكاشة بوجود تحول أمريكي إلى دعم إثيوبيا عسكرياً بسبب السد، لكن تقلب المصالح الأمريكية يكفي لإظهار خطأ تحويل ترامب إلى ضمانة للأمن المائي.

 

ومع ذلك، فإن عرض ترامب الوساطة في يناير 2026 لا يمثل نصراً للقاهرة، بل يعيدها إلى دائرة تفاوض سبق أن فشلت، من دون إعلان شروط أو ضمانات أو جدول ملزم.

 

ومن ثم، لا يستطيع السيسي تحميل الصين أو الولايات المتحدة مسؤولية النتيجة، لأن القرار المصري وقّع إعلان المبادئ، وواصل التفاوض بعد الخروقات، وترك السنوات تمر من دون اتفاق أو محاسبة.

 

وبناء على ذلك، يبدأ التحرك الجاد بنشر تقييم رسمي كامل للأضرار والبدائل، وكشف محاضر التفاوض، وتحديد مسؤولية المؤسسات، ثم بناء تحالف قانوني واقتصادي وأفريقي يرفع كلفة الانفراد الإثيوبي بإدارة النهر.

 

وأخيراً، يعيد تحذير عكاشة الملف إلى مكانه باعتباره مسألة حياة، لكنه يكشف أن أخطر ما تواجهه مصر ليس السد، بل سلطة ترفض الاعتراف بأن إدارتها انتهت بسد مكتمل واتفاق مفقود.