أصاب إطلاق النار الإسرائيلي 5 صيادين فلسطينيين في مياه مدينة غزة بعدما استهدفت البحرية قواربهم بالتزامن مع تصعيد ميداني في الضفة الغربية أعاد المخاوف من اتساع دوائر المواجهة خلال الساعات.
وفي نابلس أعلنت قوات الاحتلال استشهاد شابين فلسطينيين بعد أن أطلقت قوة خاصة النار على مركبة قرب ملعب البلدية قبل أن تدخل آليات عسكرية وتفرض انتشارا في محيط المنطقة المستهدفة.
وبحسب مصادر محلية عرقلت القوات الإسرائيلية وصول الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف إلى موقع إطلاق النار بينما استمرت عملية الاقتحام وتوسعت التحركات العسكرية داخل المدينة مع تمركز آليات قرب ملعب البلدية ومداخله.
وفي موازاة ذلك انتقل القلق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من تفاصيل العمليات اليومية إلى تقدير أوسع يعتبر الضفة الغربية ساحة قابلة للانفجار بفعل تراكم الاحتكاكات واتساع هجمات المستوطنين داخل المناطق الفلسطينية.
كما تصاعد الخلاف بين بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير بعد تحذيرات عسكرية من أن سلوك مسؤولين وقيادات حزبية تجاه اعتداءات المستوطنين قد يدفع الأوضاع إلى نقطة يصعب احتواؤها ميدانيا.
تحذير من الانفجار
ووفقا لما نقلته صحف إسرائيلية يحذر الجيش منذ نحو أسبوعين من قدرة تفجيرية متنامية في الضفة ويربط بين الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون وبين ارتفاع احتمالات اندلاع مواجهات أوسع مع الفلسطينيين.
وإزاء ذلك يدرس الجيش نقل فرقة عسكرية واحدة على الأقل من غزة أو لبنان إلى الضفة في خطوة تعكس تغير تقدير المخاطر وتزايد الحاجة إلى قوات إضافية لضبط مناطق الاحتكاك.
ومن جهته يرى الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين المتخصص في الشأن الفلسطيني أن تآكل الردع المدني واتساع الاحتكاك اليومي يرفعان احتمالات الانفجار لأن الضفة تتأثر بسرعة بأي فراغ أمني أو ضعف.
وفي هذا السياق تتقاطع قراءة ميلشتاين مع تحذيرات ضباط تحدثوا عن تسجيل 3 أو 4 حوادث احتكاك يوميا وهي وتيرة يصفونها بأنها غير مسبوقة وتكشف انتقال التوتر من حالات متفرقة إلى نمط.
ومع ذلك لا ينحصر مصدر الخطر في العمليات المسلحة إذ تشير المعطيات المتداولة إسرائيليا إلى مجموعات من المستوطنين تتجه عمدا إلى عمق مناطق فلسطينية لتنفيذ اعتداءات بما يوسع دائرة الاحتكاك.
وبالمقابل يجد زامير نفسه أمام معادلة تتجاوز إدارة الانتشار العسكري إذ يتطلب احتواء الضفة كبح الاعتداءات على الفلسطينيين في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطا من قوى يمينية تعتبر المستوطنين جزءا من قاعدتها.
لذلك تبدو الرسائل الصادرة عن قيادة الجيش موجهة إلى المستوى الحكومي بقدر توجيهها إلى الوحدات الميدانية إذ تحمل تحذيرا من أن تجاهل مسار التصعيد قد يفرض لاحقا قرارات عسكرية أكثر كلفة.
إعادة توزيع القوات
ومن ثم يصبح احتمال نقل قوات من غزة أو لبنان مؤشرا على أن الجيش لا يتعامل مع الضفة باعتبارها جبهة ثانوية ثابتة بل منطقة قد تستنزف موارد قتالية موزعة على أكثر من اتجاه.
وعلى الجانب الآخر يرى الباحث الإسرائيلي كوبي ميخائيل المتخصص في الأمن الفلسطيني أن تصاعد العنف في الضفة يضغط على قدرة المؤسسة العسكرية على الفصل بين مكافحة المسلحين ومنع الانفلات الناتج عن اعتداءات.
وعسكريا يعني ذلك أن أي توسع في الانتشار داخل الضفة سيؤثر في توزيع القوات بين غزة والحدود مع لبنان وهي جبهات ما زالت تشهد عمليات وغارات وتحتاج إلى وحدات جاهزة وقدرات مراقبة.
وبالتوازي تفرض القيود الأمريكية على إدارة التصعيد في غزة ولبنان وإيران حسابات إضافية على الحكومة الإسرائيلية بينما تبدو الضفة أقل خضوعا للرقابة الدولية المباشرة رغم حساسيتها وقدرتها على إنتاج تداعيات.
أما داخليا فإن اقتراب الانتخابات يضاعف حساسية النقاش بشأن الضفة لأن اليمين يضع الأمن والاستيطان في قلب خطابه فيما تركز المعارضة على مسؤولية الحكومة عن إخفاقات 7 أكتوبر وتداعياتها المستمرة.
وبينما يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على تماسك معسكره يجد نفسه أمام تحذير عسكري يربط بين امتناع الحكومة عن مواجهة عنف المستوطنين وبين زيادة الاحتكاك وهو ربط يحمل تكلفة على الخطاب الانتخابي.
ونتيجة لذلك قد يتحول الخلاف مع زامير إلى اختبار جديد لحدود العلاقة بين القيادة العسكرية والحكومة خصوصا إذا طلب الجيش تعزيزات كبيرة أو فرض قيود أوسع على تحركات المستوطنين في بؤر التوتر.
الانتخابات تضيق الخيارات
علاوة على ذلك يرى مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية خليل الشقاقي أن تراجع الثقة بالمسار التفاوضي واتساع العنف يعززان البيئة التي تنتج الاحتجاج والمواجهة وتضعف قدرة المؤسسات على امتصاص الغضب.
وبناء على ذلك فإن أحداث نابلس لا تبدو منفصلة عن المشهد الأوسع لأن عمليات الاقتحام والقتل وإعاقة الإسعاف تعيد إنتاج الاحتقان وتمنح كل حادثة محلية قابلية للتحول إلى عنصر جديد في التصعيد.
كذلك يضيف استهداف الصيادين في غزة بعدا متزامنا للمشهد إذ يوضح أن الضغط العسكري لا يقتصر على الضفة وأن المدنيين ما زالوا يواجهون مخاطر مباشرة في البحر وعلى اليابسة ضمن مساحات فلسطينية.
وفي ضوء ذلك يصبح قرار نقل فرقة من جبهة إلى أخرى أكثر من إجراء تنظيمي لأنه يكشف أين ترى القيادة العسكرية الخطر الأسرع نموا وكيف تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط عمليات متزامنة.
لكن قدرة الجيش على احتواء الضفة ستظل مرتبطة بقرارات الحكومة تجاه المستوطنين وبمستوى الاقتحامات داخل المدن والمخيمات لأن زيادة القوات وحدها لا تعالج الأسباب التي تدفع الاحتكاك اليومي إلى مستويات أعلى.
وأخيرا تتجه الضفة إلى مرحلة أكثر هشاشة مع اجتماع الاقتحامات والاغتيالات واعتداءات المستوطنين والخلاف داخل القيادة الإسرائيلية بينما تجعل حسابات الانتخابات أي خطوة لضبط المشهد أكثر كلفة وتفتح الباب أمام تصعيد واسع.

