أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق جديد مع الحكومة الفنزويلية المؤقتة، يمنح الولايات المتحدة نفوذًا مباشرًا في تطوير 17 حقلًا نفطيًا داخل فنزويلا، باحتياطيات مؤكدة تتجاوز 65 مليار برميل.
الاتفاق، الذي لم تُنشر وثائقه التفصيلية حتى الآن، يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول طبيعة السيطرة الأمريكية على واحد من أهم موارد الدولة الفنزويلية، وحدود الشراكة بين واشنطن وكاراكاس، ومن سيجني الثمار الفعلية من هذه الصفقة الضخمة.
وقال ترامب إن الاتفاق سيضاعف احتياطيات النفط الأمريكية ويزيد الإمدادات المتاحة، بما قد ينعكس على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية عليه بسبب ارتفاع أسعار البنزين في ظل الصراع الإيراني.
لكن الإعلان تجاوز الحديث التقليدي عن تعاون استثماري أو شراء نفط، واتجه إلى صياغة توحي بسيطرة أمريكية ممتدة على جزء من الثروة النفطية الفنزويلية.
من جانبها، رحبت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل فرصة لإنعاش اقتصاد البلاد وتحديث قطاع النفط والغاز المتعثر منذ سنوات.
وأكدت أن الاستثمارات المتوقعة قد تتجاوز 100 مليار دولار، مع عوائد ضريبية ضخمة للدولة، وخلق آلاف الوظائف، وتوسيع البنية التحتية اللازمة لإعادة تشغيل الحقول المتوقفة أو منخفضة الإنتاج.
نفط فنزويلا مقابل النفوذ
تملك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تُقدّر بنحو 303 مليارات برميل، لكنها لم تنجح في تحويل هذا المخزون الهائل إلى قوة اقتصادية مستقرة.
فالقطاع النفطي عانى لعقود من العقوبات، ونقص الاستثمارات، وتراجع البنية التحتية، وهجرة الكفاءات، وسوء الإدارة، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج مقارنة بمستوياته التاريخية في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وبحسب التفاصيل المتداولة، ستحتفظ الولايات المتحدة بنسبة 55% من السيطرة على مشروع مشترك مع شركة خاصة تمتلك خبرة في العمل داخل فنزويلا، بينما منحت الحكومة الفنزويلية امتيازًا للعمل في الحقول لمدة تصل إلى 100 عام.
وهذه المدة تضع الاتفاق في منطقة شديدة الحساسية، لأن الأمر لا يتعلق بصفقة تجارية قصيرة أو مشروع استخراج محدود، بل بترتيب طويل الأجل قد يعيد رسم علاقة فنزويلا بثروتها السيادية.
ترامب قدم الاتفاق بوصفه انتصارًا اقتصاديًا للشعب الأمريكي، مؤكدًا أن دافعي الضرائب لن يتحملوا تكلفته.
غير أن هذا الوصف يخفي تعقيدًا أكبر: تطوير حقول النفط الفنزويلية يحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، ومرافق نقل وتكرير، وضمانات أمنية وقانونية، فضلًا عن تفاهمات سياسية مع حكومة انتقالية قد تواجه طعونًا داخلية وخارجية بشأن شرعية التزاماتها طويلة الأمد.
وعود الاستثمار الضخم
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف الاتفاق بأنه مكسب للشعبين الأمريكي والفنزويلي، وقال إن الاستثمارات الخاصة المرتقبة قد تقترب من 100 مليار دولار.
وتراهن واشنطن على أن هذه الأموال ستعيد تأهيل صناعة النفط، وتزيد الإنتاج، وتوفر وظائف ذات أجور مرتفعة، وتمنح الاقتصاد الفنزويلي متنفسًا بعد سنوات من الانكماش والاضطراب.
لكن الوعود الاستثمارية وحدها لا تكفي لحسم الجدل. فالتجارب السابقة في الدول الغنية بالموارد تؤكد أن تدفق الأموال لا يضمن بالضرورة عدالة توزيع العائدات أو بناء اقتصاد مستدام.
والسؤال الأهم هو: هل ستذهب الأرباح إلى إعادة بناء الخدمات العامة وتحسين معيشة الفنزويليين، أم ستظل حصة كبيرة منها مرتبطة بشروط شركات أجنبية ومصالح استراتيجية أمريكية؟
رودريغيز تحدثت عن “أمن الطاقة في نصف الكرة الأرضية” وعن توازن أكبر في الأسواق الدولية.
إلا أن تلك اللغة الدبلوماسية لا تلغي حقيقة أن الولايات المتحدة تسعى إلى تأمين مصادر نفط جديدة في لحظة تشهد اضطرابات إقليمية وارتفاعًا في تكلفة الطاقة.
لذلك تبدو الصفقة جزءًا من استراتيجية أوسع لتقليل تعرض واشنطن لأزمات الإمداد، أكثر من كونها مبادرة إنقاذ اقتصادي محضة لفنزويلا.
سيادة تحت الاختبار
المفارقة أن الاتفاق يأتي بعد مرحلة شديدة الاضطراب في فنزويلا، أعقبت إطاحة الولايات المتحدة بالرئيس نيكولاس مادورو واعتقاله مع زوجته سيليا فلوريس، وفق الرواية الواردة في الإعلان.
وقد أعلن ترامب سابقًا أن إدارته ستتولى إدارة فنزويلا إلى حين ضمان انتقال للسلطة، وهو ما جعل أي اتفاق لاحق حول النفط محاطًا بتساؤلات قانونية ودستورية وسيادية.
والفارق كبير بين استثمار أجنبي يخضع لقوانين الدولة المضيفة، وبين ترتيب يمنح دولة أجنبية نفوذًا مباشرًا على حقول استراتيجية وامتيازًا يمتد قرنًا كاملًا.
فالمخاوف لا تتعلق فقط بمن يضخ النفط أو يبيعه، بل بمن يحدد أولويات الإنتاج، وكيف تُدار العائدات، وما إذا كان للشعب الفنزويلي والمؤسسات الوطنية حق حقيقي في الرقابة والتعديل.
وأخيرا قد يمنح الاتفاق فنزويلا فرصة عاجلة لاستعادة جزء من قدرتها النفطية، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام اختبار صعب: كيف تحصل على الاستثمار دون أن تتحول ثروتها إلى ثمن دائم للوصاية الخارجية؟
أما ترامب، فيستطيع تقديم الصفقة لجمهوره باعتبارها إنجازًا اقتصاديًا، لكن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بحجم البراميل المعلنة، بل بمدى احترام سيادة فنزويلا وحق شعبها في إدارة ثروته.

