تفاقمت أزمة مياه الشرب في الغردقة مع تكرار الانقطاعات لأيام وارتفاع سعر المتر لدى بعض الموردين إلى 170 جنيها، ليجد آلاف السكان أنفسهم أمام عطش صيفي يستنزف دخول الأسر يوميا.

 

كشفت شكاوى الأهالي أن الأزمة لم تعد خللا مؤقتا في الضخ، بعدما أصبح شراء المياه من السيارات الخاصة بديلا إجباريا، بينما تتسع الفجوة بين احتياجات السكان وقدرة الشبكات على توفير إمداد.

 

ومع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإشغال السياحي، يتضاعف الطلب على المياه، فتظهر طوابير التعبئة مجددا، ويضطر السكان إلى تخزين ما يستطيعون شراءه، خشية امتداد الانقطاع أياما إضافية دون جدول واضح.

 

 

السعر يضاعف كلفة العطش

 

في المقابل، يقول مواطنون إن أسعار النقل والتعبئة تتحرك بلا ضابط ثابت، وإن الحاجة تسمح لبعض أصحاب السيارات برفع الكلفة، ما يحول انقطاع الخدمة العامة إلى فرصة ربحية يتحمل فاتورتها المستهلك.

 

كما تكشف الأسعار المتداولة فجوة واضحة بين المتعاقدين وغير المتعاقدين، إذ يبلغ سعر المتر للمتعاقد نحو 94 جنيها، بينما وصل لغير المتعاقد في مرحلة الأزمة إلى 170 جنيها قبل خفضه.

 

وبحساب استهلاك شهري قدره 10 أمتار مكعبة، قد تتحمل الأسرة غير المتعاقدة نحو 1400 جنيه عند سعر 140 جنيها للمتر، مقابل 940 جنيها للمتعاقد، قبل إضافة كلفة النقل أو زيادات.

 

لذلك لا تبدو المشكلة مرتبطة بالسعر وحده، لأن الأسرة تدفع مقابل خدمة يفترض انتظامها، ثم تضطر إلى شراء بديل أعلى كلفة، فتتحول أزمة المرافق إلى عبء مضاعف على محدودي الدخل ومتوسطيه.

 

وتتفاقم الكلفة الاجتماعية عندما تصبح القدرة على شراء المياه معيارا للحصول على احتياج أساسي، لأن الأسر الأضعف ماليا لا تملك مرونة التخزين أو الدفع المتكرر، بينما لا يمكن تأجيل الشرب والطهي.

 

ومن ثم تفتح السوق غير المنظمة بابا لأسئلة الرقابة، إذ يطالب الأهالي بمتابعة أسعار السيارات الخاصة وكميات المياه ومصادرها، ومنع استغلال الندرة، مع توفير بدائل رسمية خلال فترات الانقطاع الطويلة.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن التحلية ضرورية للمدن الساحلية البعيدة عن النيل مثل الغردقة، لأنها أنسب من مد خطوط نقل عملاقة.

 

 

التحلية وحدها لا تكفي

 

ويعني ذلك أن موقع الغردقة الساحلي يمنحها نظريا ميزة الوصول إلى مصدر دائم للتحلية، غير أن تكرار الاختناقات يكشف أن وجود المحطات وحده لا يضمن الخدمة دون قدرات إنتاج ونقل كافية.

 

علاوة على ذلك، يفرض موسم الذروة السياحية حملا إضافيا على المنظومة، لأن الفنادق والمنشآت والسكان يعتمدون على مورد محدود داخل شبكة واحدة، وهو ما يزيد حساسية أي عطل مفاجئ أو صيانة.

 

وبحسب شكاوى السكان، فإن استمرار الأزمة كل صيف يضع مسألة عدالة التوزيع في الواجهة، خصوصا مع مطالب بضمان عدم تراجع حصص الأحياء السكنية لمصلحة المنشآت الأعلى استهلاكا خلال فترات الضغط.

 

وبينما تعزو شركة مياه البحر الأحمر الاختناقات إلى أعطال مفاجئة وكسور بالخطوط وأعمال صيانة في محطات التحلية، يرى الأهالي أن تكرار الأسباب نفسها سنويا يحول الطوارئ إلى قصور يحتاج معالجة.

 

كما يشدد الدكتور سيد إسماعيل، الخبير بقطاع البنية الأساسية ونائب وزير الإسكان السابق، على أن خفض فاقد المياه يتطلب إحلال الشبكات وتجديدها، واستخدام أنظمة القياس لرصد التسرب حتى نقاط التغذية.

 

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في مدينة تعتمد على خطوط ومحطات مرتفعة الكلفة، لأن كل متر مفقود داخل الشبكة لا يمثل هدرا للمياه فقط، بل خسارة في الطاقة والتحلية قبل وصوله للمستهلك.

 

وبناء على ذلك، فإن زيادة إنتاج المياه من دون معالجة نقاط الضعف قد تؤجل الأزمة ولا تنهيها، لأن الأعطال والكسور وانخفاض الضغوط يمكن أن تبتلع الزيادة وتعيد الأحياء إلى دورة الانقطاع.

 

غير أن الحل لا يقتصر على الإحلال الفني، إذ تحتاج المدينة إلى نشر جداول واضحة للضخ والانقطاعات والصيانة، حتى يتمكن السكان من إدارة احتياجاتهم، بدلا من مفاجأتهم بانقطاع يتركهم أمام السوق.

 

 

الشبكات تعيد إنتاج الأزمة

 

ومن زاوية أخرى، سبق للمهندس ممدوح رسلان، الرئيس السابق للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، أن ربط ارتفاع الفاقد بتهالك الشبكات، ودعا إلى قياس الفقد وتحديد مناطق الضعف ضمن الإحلال.

 

وتشير هذه الخبرة إلى أن الأزمة لا يمكن اختزالها في زيادة الاستهلاك الصيفي، لأن الشبكة التي تعمل بكفاءة منخفضة ستظل عرضة للانقطاعات حتى مع زيادة الإنتاج، ما يجعل الصيانة الاستباقية أساسية.

 

لزيادة الاستقرار، يحتاج قطاع المياه في الغردقة إلى مخزون تشغيلي وقدرات احتياطية تسمح بالتعامل مع تعطل محطة أو خط رئيسي، بدلا من انتقال أثر العطل مباشرة إلى المنازل وتحوله إلى أزمة.

 

وبالتوازي، تبدو مراقبة ناقلات المياه الخاصة ضرورة لحماية المستهلك، ليس فقط من الأسعار المبالغ فيها، بل أيضا لضمان مصدر المياه وسلامة الخزانات وآليات النقل، لأن العطش قد يفتح مخاطر صحية.

 

أما استمرار التفاوت السعري بين المتعاقدين وغير المتعاقدين فيحتاج إلى تفسير معلن، يحدد أساس التسعير وكلفة النقل والخدمة، حتى لا يشعر السكان بأن شراء المياه يعاقبهم ماليا على عطل لم يتسببوا فيه.

 

ومن ناحية التخطيط، تتطلب الغردقة توازنا بين الطاقة السياحية والنمو السكاني وقدرة مرافق المياه، لأن إضافة منشآت ووحدات جديدة من دون زيادة مماثلة في الإنتاج والشبكات والتخزين تعني إعادة إنتاج الأزمة.

 

وأخيرا، تكشف أزمة وصول المتر إلى 170 جنيها أن المشكلة تجاوزت الانقطاع المؤقت إلى خلل يمس تكلفة المعيشة وعدالة الوصول إلى المياه، وأن الحل المستدام يبدأ من التحلية والشبكات والرقابة.