فجرت إنذارات رسمية بالإخلاء موجة خوف بين مئات الأسر المقيمة بمساكن شركة دمياط للغزل والنسيج، بعدما طالبتهم الإدارة بالمغادرة، بينما يؤكد السكان امتلاك عقود إيجار موثقة وسداد الأجرة بانتظام منذ سنوات.
وكشفت استغاثات الأهالي أن بعض الأسر تقيم بالمساكن منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن عقودا حررت عام 1998، ما يطرح سؤالا مباشرا حول أساس الإخلاء ومصير كبار السن والأرامل وأصحاب المعاشات.
العقود في مواجهة الإنذارات
في المقابل، لا تكفي الإقامة الطويلة لحسم النزاع قانونيا، لأن مركز كل أسرة يتحدد بنصوص عقدها وتاريخ العلاقة وطبيعة تخصيص الوحدة، وهل كانت مرتبطة بالخدمة أم إيجارا مستقلا بعد انتهائها.
ومن الناحية القانونية، ينص القانون رقم 4 لسنة 1996 على خضوع الإيجارات الداخلة في نطاقه للقانون المدني، ما يجعل مدة العقد وشروط انتهائه عناصر حاسمة قبل تقرير صحة الإخلاء أو بطلانه.
وبحسب مصلحة الضرائب العقارية، تحكم الإيجارات الجديدة العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر وفقا للقانون المدني، بما يشمل القيمة والمدة، وهو ما يعيد القضية مباشرة إلى نصوص عقود 1998 نفسها ومضمونها.
ويؤكد الخبير القانوني السيد شوقي الأدغم أن عقود الإيجار الخاضعة لقانون 1996 تقوم على المدة التي ارتضاها الطرفان، وأن النتيجة القانونية تتغير بحسب صياغة المدة وشروط التجديد والإنهاء في العقد.
وعليه، فإن مطالبة السكان بفحص العقود ليست مناورة لتعطيل التنفيذ، بل خطوة لازمة لتحديد ما إذا كانت الشركة تملك سندا تعاقديا للإنهاء، أم أن الإنذارات تتجاوز التزامات استمرت سنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، يصبح وصف السكان بأنهم واضعو يد محل شك إذا قدموا عقودا وسندات سداد منتظمة، لأن الإيجار الموثق يختلف جذريا عن إشغال وحدة بلا سند ويستوجب فحصا فرديا.
حقوق العمال بعد المعاش
على الجانب الاجتماعي، تتجاوز القضية نزاعا عقاريا عاديا، لأن المساكن نشأت داخل بيئة صناعية ارتبطت بالعمال، ثم تحولت خلال عقود طويلة إلى مجتمع مستقر يضم متقاعدين وأرامل وأسر عاملين سابقين.
ومن زاوية عمالية، يقول كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية إن حماية حقوق العمال تحتاج تضامنا وتنظيما وقدرة على الدفاع عن المكتسبات، بما يجعل التفاوض أسبق من الإخلاء الجماعي.
كذلك، سبق لعباس أن طالب بضمان حقوق العمال عند إغلاق المصانع أو إعادة هيكلتها، معتبرا أن القرارات الاقتصادية يجب ألا تنقل خسائرها مباشرة إلى العاملين، وهو مبدأ يظل حاضرا هنا.
فضلا عن ذلك، يضاعف ارتفاع تكاليف السكن أثر أي إخلاء مفاجئ، خصوصا على أصحاب المعاشات الذين بنوا حياتهم على استمرار الإقامة، ما يجعل المهلة القصيرة بلا بدائل ذات كلفة اجتماعية كبيرة.
وفي سياق متصل، يقول الأهالي إن بعضهم دفع الإيجار نحو 50 عاما، وإن عائلات ما زالت تقيم بوحدات خصصت لآبائهم أثناء الخدمة، ما يستوجب التمييز بين القانون والاعتبارات الإنسانية المتراكمة.
إلى جانب ذلك، قد يصبح استمرار تحصيل الأجرة بعد خروج العامل إلى المعاش عنصرا مهما في تقييم العلاقة، لكنه لا يحسم النزاع وحده، لأن الفصل يعود للعقد والمراسلات وسلوك الطرفين.
ومن ثم، يبدأ الحل الأقل كلفة بحصر العقود وتصنيف الحالات وإعلان أساس كل إنذار، بدلا من معاملة مئات الأسر ككتلة واحدة، خاصة مع اختلاف التواريخ والمدد وصفات المستأجرين وارتباطهم بالخدمة.
التطوير لا يبرر التشريد
على صعيد الصناعة، تخضع شركة دمياط للغزل والنسيج لمشروع تطوير واسع يشمل مصانع جديدة للغزل والتحضيرات والنسيج والصباغة، ضمن خطة حكومية شاملة لإعادة تأهيل شركات القطاع ورفع قدراتها الإنتاجية والتصديرية.
ووفقا لوزارة قطاع الأعمال، تضم الخطة مصنعا للغزل بنحو 44 ألف مردن، ومصنعا للتحضيرات، ومجمعا للنسيج يضم 192 نولا، إضافة إلى وحدات حديثة للصباغة والتجهيز ضمن التحول الصناعي الجاري بالشركة.
غير أن تطوير الصناعة لا يمنح تلقائيا مبررا لإهدار حقوق سكنية قائمة، لأن استغلال الأصول يجب أن يمر بتقييم قانوني واجتماعي شفاف، خاصة حين ترتبط تلك الأصول بتاريخ الشركة وعمالها.
ويشدد عبد الفتاح إبراهيم رئيس النقابة العامة للعاملين بالغزل والنسيج على أن دور النقابة هو الدفاع عن الحقوق المشروعة للعاملين، مع استمرار التشاور مع الإدارات التنفيذية لحل المشكلات التي تواجههم.
وبناء على ذلك، يصبح غياب حوار معلن مع السكان والنقابة نقطة ضعف في إدارة الملف، لأن مشروع التطوير يفقد جزءا من منطقه الاجتماعي إذا ترافق مع تهديد أسر العاملين السابقين بالتشرد.
وفي المقابل أيضا، من حق الشركة حماية أصولها واسترداد الوحدات إذا انتهت العقود قانونا أو ثبت ارتباطها بالخدمة، لكن هذا الحق يحتاج إثباتا لكل حالة ولا يبرر إلغاء عقود صحيحة جماعيا.
وبالقدر نفسه، يملك السكان حق الاعتراض واللجوء إلى القضاء إذا رأوا أن الإنذارات تخالف عقودهم، كما يمكنهم طلب وقف الإخلاء لحين الفصل في النزاع عندما يهدد التنفيذ بأضرار يصعب تداركها.
لهذا، تبدو مسؤولية وزارة قطاع الأعمال أكبر من ترك المواجهة بين إدارة الشركة والأسر، إذ يفترض أن تعلن غرض استرداد المساكن وعدد الوحدات والأساس القانوني للإجراءات وموقعها من خطة التطوير.
وفي المحصلة، لا يحتاج الملف إلى وعود عامة بقدر حاجته إلى نشر الحقائق حول العقود ومددها وقرارات التخصيص وسجلات السداد وعدد الأسر، ثم مراجعة قانونية مستقلة لكل حالة قبل الإخلاء.
وأخيرا، إذا كانت الدولة تنفق مليارات الجنيهات لإحياء صناعة الغزل والنسيج، فإن نجاح التطوير لا يقاس بالماكينات وحدها، بل بقدرته على حماية من صنعوا تاريخ هذه الشركات وتسوية أوضاعهم بالقانون.

