وجّه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، في مقر القيادة الاستراتيجية، الحكومة إلى إعداد مؤتمر قد يمتد أسبوعاً أو عشرة أيام لعرض إنجازات الدولة وتحدياتها، بمشاركة مفكرين ومتخصصين وأساتذة جامعات؛ بينما تعكس فجوة الدخل وتكلفة المعيشة واقعاً أكثر إلحاحاً على الأسر المصرية.
في بيت يقترب دخله من الحد الأدنى للأجور، لا تبدو أرقام الطرق والكباري بديلاً عن ثمن الغذاء والإيجار والدواء والتعليم؛ فالمواطن لا يقيس الدولة بما يُعرض على الشاشات فقط، بل بما يتبقى من راتبه بعد نهاية الشهر.
عشرة أيام في مواجهة المعيشة
قال السيسي إن المؤتمر المقترح يجب أن يتناول ما نُفذ خلال السنوات الماضية، وأن يشرح الأموال التي أُنفقت والنتائج التي تحققت، مع إتاحة المجال لعرض التحديات كذلك.
لكن اختيار مدة تصل إلى عشرة أيام يمنح الحدث مساحة إعلامية وسياسية استثنائية، ويجعل السؤال عن مضمونه وآليات مساءلته أهم من مجرد طول بثه.
فالمؤتمر، إذا اكتفى بعروض الجهات الحكومية، يتحول إلى كشف حساب من طرف واحد؛ أما إذا فتح الملفات التي أخفقت فيها السياسات، فيمكن أن يصبح مساحة عامة ذات معنى.
وتقدّر دراسة أعدها بيت الخبرة البرلماني بحزب العدل احتياجات أسرة حضرية من أربعة أفراد بنحو 32 ألفاً و51 جنيهاً شهرياً، أو ما يقارب 267 جنيهاً يومياً للفرد.
غير أن الرقم ليس مسحاً وطنياً شاملاً لكل الأسر المصرية، بل نموذج تقديري لأسرة متوسطة في مدينة كبرى؛ وهذه الملاحظة لا تُضعف دلالته، بل تمنع استخدامه كشعار وتعيده إلى وظيفته الأساسية: كشف اتساع ضغط المعيشة.
وفق النموذج نفسه، يغطي الحد الأدنى الحكومي البالغ 8 آلاف جنيه قرابة ربع الاحتياجات المقدرة، بفجوة شهرية تتجاوز 24 ألف جنيه، بينما يكون العجز أكبر مع الحد الأدنى في القطاع الخاص.
وتستحوذ الغذاء والسكن والتعليم والنقل على نحو 69.5% من ميزانية الأسرة في الدراسة، بما يعني أن الحديث عن «ترشيد الاستهلاك» يتجاهل أن معظم الإنفاق يذهب بالفعل إلى ضرورات لا إلى رفاهية.
يرى الباحث في الاقتصاد السياسي عمرو عدلي، في دراسة منشورة عام 2015 عن الاستقرار الاقتصادي والسياسي في مصر، أن النمو والاستثمار وحدهما لا يصنعان استقراراً دائماً من دون تمثيل اجتماعي ومعالجة عادلة لتوزيع الدخل. وهي قراءة سابقة وليست تعليقاً مباشراً منه على المؤتمر الحالي.
ذلك يضع أي عرض للإنجازات أمام اختبار بسيط: هل يشرح كيف انعكس الإنفاق العام على دخول المواطنين وخدماتهم، أم يكتفي بإثبات أن مشروعات قد أُنجزت؟
الشفافية تبدأ من الأرقام الغائبة
استدعاء مفهوم «الخبز والسيرك» لا يعني مساواة آلية بين مصر وروما القديمة؛ فالمصطلح ارتبط بسخرية الشاعر الروماني جوفينال من جمهور ينصرف عن السياسة إلى الطعام والعروض.
لكن الفكرة تبقى مفيدة كأداة نقدية: السلطة قد تستخدم العرض العام لتدير الانتباه، بينما يقاس جوهر السياسة بما إذا كانت تسمح للناس بمساءلة الرواية المعروضة.
الرئيس دعا إلى «الشفافية والمصداقية»، وهو معيار يمكن اختباره عملياً لا خطابياً: بنشر البيانات الأصلية، ومنهجيات الحساب، وتكلفة كل مشروع، والعائد الفعلي منه، لا الاكتفاء بالصور التقديمية.
الشفافية تقتضي أيضاً عرض المشروعات المتعثرة، والتأخيرات، وتجاوزات التكلفة، والبدائل التي رُفضت، وأثر الديون وخدمة الدين على الموازنة والخدمات العامة.
ومن دون هذه العناصر، يصبح الحديث عن الإنجاز انتقائياً بطبيعته؛ إذ تعرض الدولة ما تعتبره نجاحاً فيما يبقى المواطن مطالباً بتخمين ثمنه الاجتماعي والاقتصادي.
كان الباحث السياسي عمرو حمزاوي قد خلص، في دراسة منشورة عام 2009 عن الضغوط الاجتماعية في مصر، إلى أن الأزمات المعيشية قد تنتج توتراً منفصلاً عن المجال السياسي الرسمي حين تغيب قنوات التعبير والتمثيل. وهذا تحليل سياقي سابق، لا تصريح عن الحدث الراهن.
المغزى أن مؤتمر الإنجازات لن يكون مقنعاً إذا عُقد ليحدث المواطنين فقط، لا ليستمع إليهم؛ لأن الاستماع الحقيقي يتضمن أسئلة محرجة وإجابات قابلة للتدقيق.
وعشرة أيام من التغطية لا تخفض سعر كيلو اللحم ولا تقلص الإيجار ولا تعالج عبء الدروس الخصوصية، لكنها قد تصبح مفيدة إذا انتهت إلى قرارات معلنة وجداول تنفيذ ومحاسبة دورية عليها.
المثقفون بين الحضور والاستقلال النقدي
دعوة المفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات تمنح المؤتمر غطاءً معرفياً، لكنها لا تضمن وحدها تعدد الرأي أو استقلاله.
فوجود المثقف في القاعة لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة اعتماد مسبقة للرواية الحكومية، بل إلى فرصة لطرح أسئلة عن الأولويات والبدائل وكلفة القرارات على الفئات الأقل دخلاً.
يشير الباحث كريم الجندي، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، في بحث منشور عام 2025، إلى أن المشاركة ذات المعنى تمنح السياسات شرعية ومدى أوسع من الثقة، بخلاف النهج الهرمي الذي يركز على سرعة التنفيذ وحدها.
ويوضح هذا التمييز أن مشاركة الخبراء لا تُقاس بعدد المتحدثين، بل بقدرتهم على الوصول إلى البيانات، وانتقادها علناً، واقتراح بدائل من دون أن تتحول المشاركة إلى واجهة شكلية.
المطلوب إذن أن تضم الجلسات اقتصاديين مستقلين، وممثلين عن العمال وأصحاب المعاشات وأولياء الأمور وسكان المناطق المتضررة من السياسات، لا أن تظل المنصة حكراً على المسؤولين ومن يوافقونهم.
كما ينبغي إعلان برنامج المؤتمر وأسماء المتحدثين مسبقاً، وإتاحة وقت متكافئ للأسئلة، ونشر محاضر الجلسات والبيانات التي استندت إليها الحكومة.
الأهم أن تلتزم الحكومة، بعد انتهاء المؤتمر، بإجابة مكتوبة عن الأسئلة التي لا تجد رداً داخل القاعة، وأن تنشر مؤشرات دورية تقارن الوعود بالنتائج.
فالقيمة الحقيقية لأي مؤتمر ليست في عدد أيامه، بل في قدرته على نقل النقاش من استعراض ما حدث إلى مساءلة ما لم يتحسن بعد: دخل الأسرة، وجودة التعليم، وكلفة العلاج، وفرص العمل، وحق المواطن في معرفة أين ذهبت أمواله.

