أطلقت وزارة التربية والتعليم في مدارس مصر المرحلة الرئيسية من البكالوريا خلال العام الدراسي 2026 و2027 عبر 4 مسارات، بعد إعلان اختيار نحو 95% من طلاب الصف الأول للنظام، وسط جدل متصاعد بشأن حرية الاختيار وجاهزية التطبيق.

 

ويأتي التوسع بينما ما تزال أسر كثيرة تحاول فهم قواعد الامتحانات والمسارات وفرص التحسين، وهو ما يحول إصلاحًا يفترض أن يخفف ضغط الثانوية العامة إلى تجربة واسعة تتحمل الأسر مخاطرها قبل اكتمال ضمانات العدالة والجاهزية.

 

 

اختيار تحت الضغط

 

وتكشف تفاصيل النظام أن الطالب يدرس شهادة موزعة على الصفين الثاني والثالث بإجمالي 600 درجة، مع 4 مسارات تشمل الطب وعلوم الحياة والهندسة وعلوم الحاسب والأعمال والآداب والفنون، بما يجعل الاختيار المبكر محددًا لمسار دراسي طويل.

 

وفي المقابل، تتيح القواعد محاولتين للامتحان في العام الدراسي، الأولى مجانية والثانية اختيارية برسوم قدرها 200 جنيه للمادة، وهو بند يثير سؤالًا مباشرًا حول قدرة الأسر الأقل دخلًا على شراء فرص إضافية لتحسين المجموع.

 

كما يشترط النظام إنجاز 60% من التقييمات المقررة لدخول الامتحان النهائي، بينما تتوزع ورقة الاختبار بين أسئلة مقالية واختيار من متعدد، ما يضع المدرسة والمعلم في قلب منظومة تحتاج انضباطًا يوميًا وقدرة متساوية بين المحافظات.

 

وفوق ذلك، ظهرت منصات للدروس الخصوصية في المواد الجديدة قبل استقرار التجربة، خصوصًا البرمجة والذكاء الاصطناعي، بما يعيد إنتاج السوق الموازي نفسه الذي وعدت الوزارة بتقليصه، لكن هذه المرة حول مناهج حديثة لم يعتدها الطلاب.

 

ومن جهة أخرى، لا تملك جميع البيوت أجهزة حاسب أو اتصالًا مستقرًا بالإنترنت، كما تتفاوت المدارس في المعامل والمعلمين والتجهيزات، ولذلك يصبح الحديث عن مسارات رقمية متقدمة منفصلًا عن واقع قرى ومناطق تعاني أصلًا نقص الخدمات.

 

وبذلك، لا تكمن المشكلة في فكرة تطوير الثانوية العامة ذاتها، بل في نقل جيل كامل إلى نظام جديد قبل إثبات توافر المعلمين والبنية والشرح والاختيار الحر، وهي عناصر تحدد إن كان الإصلاح فرصة أم عبئًا إضافيًا.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير التربوي مجدي حمزة إن بعض مديري المدارس ضغطوا على الطلاب لاختيار البكالوريا، معتبرًا أن ثقافة الإجبار تناقض فكرة المسار الاختياري، وهو ما يجعل نسبة الإقبال المرتفعة بحاجة إلى تفسير مستقل.

 

 

عدالة بثمن إضافي

 

ومن ثم، يطرح رسم المحاولة الاختيارية البالغ 200 جنيه للمادة سؤالًا يتجاوز قيمة المبلغ نفسه، لأن النظام يمنح من يستطيع الدفع مساحة أوسع لتحسين درجاته، بينما قد يكتفي الطالب الأفقر بمحاولته المجانية مهما كانت ظروفه يوم الامتحان.

 

وعلاوة على ذلك، يصبح مبدأ تكافؤ الفرص أكثر هشاشة عندما تتعدد المحاولات المدفوعة داخل شهادة يفترض أنها جزء من التعليم العام المجاني، لأن الفارق الاقتصادي بين الأسر قد يتحول تدريجيًا إلى فارق مباشر في فرص رفع المجموع.

 

وبحسب الخبير التربوي كمال مغيث، فإن نظام البكالوريا يهدد بتكريس ازدواجية تعليمية ويثير مخاوف تتعلق بالعدالة، خصوصًا مع الرسوم وعجز المعلمين، وهو انتقاد يضع مجانية التعليم وتكافؤ الفرص في قلب النقاش حول النظام.

 

كذلك، أشار مغيث إلى عجز كبير في أعداد المعلمين يقترب من نصف مليون وفق تقديراته، وهي فجوة تجعل إضافة مسارات ومواد جديدة تحديًا يتجاوز تصميم المناهج إلى القدرة الفعلية على توفير مدرس متخصص داخل كل مدرسة.

 

ومع ذلك، لا يعني الاعتراض على الرسوم أو الجاهزية رفض تطوير الثانوية العامة، بل إن تعدد فرص التقييم وتقليل رهبة الامتحان الواحد يمكن أن يكونا ميزتين حقيقيتين إذا فصلت الدولة بين تحسين الفرصة وبين القدرة على الدفع.

 

وفي الوقت نفسه، يخلق وجود نظامين متوازيين داخل المدارس عبئًا تنظيميًا جديدًا، لأن الإدارة مطالبة بتوزيع المعلمين والجداول والتقييمات بين الثانوية العامة والبكالوريا، بينما تختلف المواد والمسارات وقواعد الامتحان، ما يرفع احتمالات التفاوت في التنفيذ.

 

إضافة إلى ذلك، فإن اختيار المسار قبل استقرار خبرة الطالب المهنية والمعرفية قد يدفع أسرًا إلى اتخاذ قراراتها وفق توقعات سوق العمل أو الدروس المتاحة، لا وفق قدرات الطالب الفعلية، خاصة حين يغيب الإرشاد الأكاديمي المتخصص.

 

ومن ناحية أخرى، تعتمد عدالة النظام على توافر المعلومات بالقدر نفسه لكل أسرة، لكن كثرة القرارات والتوضيحات المتتابعة تجعل الأسرة الأكثر قدرة على المتابعة والدفع والاستشارة في موقع أفضل من أسرة لا تملك مصادر مماثلة.

 

لذلك، فإن أي حديث رسمي عن المرونة يبقى ناقصًا ما لم تقترن المرونة بضمان مجاني فعلي للمحاولات الأساسية، وتدريب معلن للمعلمين، وتجهيزات قابلة للقياس، وآلية شكاوى تمنع المدارس من تحويل الاختيار القانوني إلى توجيه قسري.

 

 

مدارس غير مستعدة

 

أما الجاهزية، فلا تقاس بإصدار دليل للمناهج أو إعلان المسارات، وإنما بوجود معلمين مدربين ومعامل صالحة واتصال رقمي مستقر وخطة واضحة للمواد المستحدثة، وهي متطلبات لا تظهر بالمستوى نفسه بين مدارس المدن والقرى.

 

ومن هنا، تكشف مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي التحدي بصورة مباشرة، إذ يحتاج تدريسها إلى أجهزة وتدريب وممارسة عملية، بينما يؤدي غياب هذه العناصر إلى تحويل المادة إلى حفظ نظري أو باب جديد للدروس المدفوعة خارج المدرسة.

 

وفي السياق نفسه، حذر وزير التعليم السابق والخبير التربوي رضا حجازي من إعادة تجربة الثانوية الممتدة لعامين دون دراسة آثارها، موضحًا أن تجربة سابقة أرهقت الأسر نفسيًا وماديًا وانتهت بالإلغاء، وطالب بالتعلم من أسباب فشلها

 

كذلك، دعا حجازي إلى منح وقت كاف قبل التعميم ووضع ضوابط دقيقة للمحاولات والتحسين بما يحفظ تكافؤ الفرص، وهي ملاحظات تكتسب وزنًا أكبر الآن بعدما انتقلت البكالوريا من مقترح للنقاش إلى تطبيق واسع داخل المدارس.

 

وبالمثل، فإن تدريب المعلمين لا يمكن اختزاله في لقاءات تعريفية قصيرة، لأن تدريس مناهج ومسارات جديدة يحتاج فهمًا للتقييم وأساليب الشرح والتخصصات المستحدثة، مع متابعة ميدانية تكشف الفجوات قبل تحميل الطالب ثمنها في درجاته.

 

وعندئذ، يصبح إعلان الوزارة نجاح الإقبال على النظام غير كاف للحكم على نجاحه، فالنسبة المرتفعة لا تقيس جودة التدريس ولا عدالة الاختيار ولا قدرة المدارس على التنفيذ، وإنما تسجل قرارًا اتخذه الطلاب في بيئة معلومات غير متساوية.

 

وفي المقابل، كان يمكن تقليل المخاطر عبر تطبيق تجريبي محدود في محافظات مختلفة اجتماعيًا وجغرافيًا، ثم نشر نتائج مستقلة عن التحصيل والتكلفة والدروس الخصوصية ورضا الأسر، قبل نقل التجربة إلى مئات الآلاف من الطلاب دفعة واحدة.

 

وبناء على ذلك، تبدو القضية أعمق من تغيير اسم الشهادة أو توزيع المواد، لأنها تمس حق الأسرة في اختيار حقيقي وحق الطالب في مدرسة مجهزة، وحق الفقير في فرص تحسين لا تتراجع كلما ضاقت قدرته المالية.

 

وأخيرًا، سيظل معيار نجاح البكالوريا هو ما يحدث داخل الفصل لا ما تقوله الحملات الدعائية، فإذا بقيت الدروس الخصوصية وعجز المعلمين والفجوة الرقمية وضغوط الاختيار، فلن يكون النظام إصلاحًا للثانوية بل إعادة إنتاج لأزماتها بقواعد جديدة.