يرى موسى بيكر، المعلق السياسي الخاص في News.Az، أن تحفظ مصر على الانضمام إلى تحالف مكة يرتبط برغبتها في الحفاظ على هامش واسع للمناورة الاستراتيجية، وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية لا تتوافق بالضرورة مع مصالحها الوطنية، رغم امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة تجعلها إضافة مهمة لأي ترتيبات أمنية إقليمية.
ووفقًا لما أورده موقع News.Az، وقّعت تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس 2026 اتفاق دفاع يهدف إلى حماية الدول الثلاث من أي عدوان محتمل، في خطوة قادت إليها الرياض في ظل ما تراه تهديدًا متزايدًا من إيران التي تراجعت قدراتها. ولا يشبه الاتفاق في الوقت الراهن تحالفًا على غرار حلف شمال الأطلسي «الناتو»، إذ يفتقر إلى هيكل مؤسسي فوق وطني قوي أو آلية راسخة تلزم جميع الأعضاء تلقائيًا بالدخول في حرب إذا تعرض أحدهم لهجوم، ما يجعله أقرب إلى إعلان سياسي واسع.
مصر قوة عسكرية كبيرة.. لكن تحالف مكة قد يقيد حركتها
تسعى أنقرة إلى تعزيز جاذبية التحالف عبر ضم مصر، أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان، والتي تمتلك قدرات عسكرية كبيرة. ويصنفها مؤشر «جلوبال فاير باور» في المرتبة التاسعة عالميًا من حيث القوة العسكرية الشاملة، والأولى بين الدول ذات الأغلبية المسلمة.
وتضم القوات المسلحة المصرية نحو 440 ألف عسكري في الخدمة، إضافة إلى نحو 480 ألفًا في قوات الاحتياط. وتشمل القوات الجوية 215 مقاتلة و88 طائرة هجومية و59 طائرة نقل و387 طائرة تدريب، إلى جانب 294 مروحية، بينها مروحيات هجومية.
وتضم القوات البرية المصرية 4295 دبابة و11700 مركبة مدرعة و2189 قطعة مدفعية، إلى جانب 1139 نظام مدفعية ذاتية الدفع ومدفع، و1084 راجمة صواريخ متعددة. كما تضم البحرية حاملتي مروحيات و7 فرقاطات و7 طرادات و8 غواصات و31 قطعة دورية و45 زورق دورية.
ورغم هذه القدرات، تعتمد القوات المسلحة المصرية بدرجة كبيرة على منظومات الأسلحة والدعم العسكري الأمريكي. ويرى بيكر أن غياب المساعدات والدعم الأمريكيين سيجعل من الصعب على القاهرة خوض نزاع طويل، في ظل محدودية قاعدة التصنيع العسكري المحلية وقطاع الصناعات الدفاعية.
وقد يفسر هذا الاعتماد موقف القاهرة الحذر من تحالف مكة، إذ قد يؤدي الانضمام إليه إلى تقليص هامش الحركة أمام القيادة المصرية، خصوصًا أن القاهرة لا ترغب في المخاطرة بالانجرار إلى مواجهة مع إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة. ويشير الكاتب إلى أن صناع القرار في مصر اعتادوا تقييم مخاطر المواجهات التي تحركها اعتبارات أيديولوجية بحذر شديد.
غياب الإمارات وعلاقات مصر باليونان وقبرص
يرتبط تحفظ مصري آخر بغياب الإمارات عن الدول الموقعة على الاتفاق، إذ تعد أبوظبي أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر. وفي الوقت نفسه، عززت القاهرة خلال فترة تدهور العلاقات المصرية التركية علاقاتها مع اليونان وقبرص، ولا سيما في ملفات ترسيم الحدود البحرية وحقوق الجرف القاري.
ووقعت مصر وقبرص عام 2003 اتفاقًا لترسيم منطقتيهما الاقتصاديتين الخالصتين، بما يشمل الحقوق المتعلقة بالجرف القاري. واعتمد ترسيم الحدود البحرية على مبدأ خط المنتصف، بحيث تمر الحدود على مسافات متساوية من سواحل البلدين. وأصبح هذا الإطار لاحقًا أساسًا لاتفاقات تتعلق بإمدادات الغاز القبرصي إلى مصر من حقل أفروديت.
كما وقعت مصر واليونان في أغسطس 2020 اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية. واعتمد الاتفاق كذلك مبدأ خط المنتصف، مع مراعاة العوامل الجغرافية، ما جعل الحدود النهائية غير متساوية تمامًا من الناحية الهندسية، وحصلت مصر بموجبه على مساحة أكبر قليلًا.
وتكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة في ظل استمرار التوتر بين تركيا واليونان وقبرص، واحتمال تحول الخلافات بين الأطراف إلى مواجهة عسكرية في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه. لذلك تتعامل القاهرة بحذر مع أي ترتيبات عسكرية تشارك فيها أنقرة.
ولا تبدو باكستان بمنأى عن حسابات مصر أيضًا، إذ لا ترغب القاهرة في التورط في مواجهة مع الهند بسبب علاقاتها بإسلام آباد، خصوصًا مع تنامي التعاون بين نيودلهي وكل من الإمارات وإسرائيل.
أنقرة تسعى إلى توسيع التحالف.. لكن البدائل تواجه عقبات
رغم التحفظات المصرية، تواصل تركيا البحث عن أعضاء جدد لتحالف مكة، إذ تبدو أنقرة مقتنعة بوجود فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي. وقبل توجه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى القاهرة، زار ليبيا التي برز اسمها باعتبارها مرشحًا محتملًا للانضمام إلى المجموعة.
لكن ليبيا تحتاج أولًا إلى تحقيق قدر أكبر من الوحدة السياسية والاستقرار. كما تواجه أي محاولة لضمها عقبة أكثر جوهرية، تتمثل في استمرار التباين الكبير بين المصالح المصرية والتركية داخل ليبيا.
وتبرز قطر كذلك باعتبارها مرشحًا محتملًا، ويمكن أن تتركز مساهمتها بصورة أساسية في الجانب المالي، خصوصًا أن تركيا تمتلك قاعدة عسكرية على الأراضي القطرية. ومع ذلك، لا يعني هذا الوجود بالضرورة تعزيز أمن الدوحة، التي تحافظ على علاقات وثيقة نسبيًا مع كل من باكستان والسعودية، لكنها تمتلك قدرات عسكرية محدودة.
أما معظم دول المنطقة الأخرى، فلا تبدو مرشحة للانجذاب بقوة إلى اتفاق مكة. وتعتمد البحرين والكويت منذ فترة طويلة على القوة العسكرية الأمريكية لتوفير الأمن، بينما تفتقر سوريا حاليًا إلى جيش فعال واقتصاد قادر على الاعتماد على نفسه، ما يقلل فرص تحولها إلى طرف إقليمي مؤثر في المستقبل المنظور.
ويرجح أن يحافظ العراق على موقف محايد، إذ تربطه من الناحية الدينية علاقات أقرب إلى إيران ذات الأغلبية الشيعية مقارنة بالدول ذات الغالبية السنية، رغم سعي القيادة العراقية مؤخرًا إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالًا عن طهران. كما أن اقتصاد العراق لا يزال في مرحلة التعافي، ما يجعل الانخراط في مغامرات جيوسياسية لدول أخرى خيارًا غير جذاب لبغداد.
ويشير الكاتب إلى أن تجربة الصراع الأخير بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت أن التحالفات العسكرية وحدها لا تستطيع ضمان السلام أو الاستقرار.
وتواجه الأردن بدورها قيودًا خاصة، إذ يبعد اقتصاد عمان الهش واعتمادها على إمدادات المياه من إسرائيل عن المخاطرة بعلاقاتها مع تل أبيب لصالح تحالف غير مضمون النتائج. كما يوفر التعاون مع الولايات المتحدة قدرًا أكبر من الموثوقية، لأنه يستند إلى مصالح متبادلة راسخة منذ عقود، في حين أن تركيا قوة إقليمية تتضمن خطاباتها السياسية أحيانًا إشارات إلى النفوذ العثماني الجديد.
ويخلص بيكر إلى أن البعد الاقتصادي يمثل عاملًا إضافيًا يحد من جاذبية تحالف مكة، إذ لا تستطيع تركيا أو باكستان منافسة حجم السوق الأمريكية أو القدرات التكنولوجية للولايات المتحدة. وباستثناء السعودية، لا يمتلك أعضاء التحالف المقترح الكثير لتقديمه في هذا المجال، بينما فقدت الأفكار الأيديولوجية جزءًا كبيرًا من جاذبيتها السابقة، خصوصًا عندما تعجز عن تحقيق تحسن ملموس في مستوى الازدهار والمعيشة.
https://news.az/news/why-egypt-is-reluctant-to-join-the-mecca-alliance

