إبراهيم سيف

وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني السابق

 

منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في نهاية فبراير من العام الجاري، وتصاعد التوتر في باب مضيق المندب قبلها إبان العدوان الإسرائيلي على غزة وهجمات الحوثيين وتعطيلهم حركة الملاحة، تبلورت في أروقة صنع القرار الإقليمي قناعة مفادها أن الممرات الملاحية التي بني عليها اقتصاد المنطقة لعقود مثل مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس، لن تعود إلى ما كانت عليه قبل هذه الموجة من الاختلال في سلاسل التزويد.

 

هذه القناعة المشروعة في جوهرها؛ أنتجت ردات فعل يمكن وصفها بـ"حمى أو هوس الممرات" والتي تمثلت بسباق متسارع وطروح منها الجديد ومنها القديم قبل هذه استفحال الأزمة الأخيرة، هذه المشاريع تبدأ من ممر الهند- الشرق الأوسط - أوروبا إلى طريق التنمية العراقي إلى إحياء خط أنابيب البصرة-العقبة الى سكة حديد السعودية - تركيا؛ وكلها تتنافس على تقديم بدائل استراتيجية للتعامل مع الواقع الجديد، إلا أن نظرة متعمقة لهذه المشاريع تكشف مفارقة أن هذه الطروح في معظمها تتمثل بالالتفاف حول جذور مشاكل الشرق الأوسط وليست علاجا لأسباب التوتر القائمة وتترتب على تبني تلك المشاريع كلف هائلة مع غياب ضمان حقيقي لاستعادة سلاسة التجارة. ويلاحظ المراقب تعدد البدائل المتنافسة بشكل متزامن بما يعكس في جانب منه مصالح استراتيجية متباينة كذلك، فهناك ممر الهند-الشرق الأوسط - أوروبا (IMEC)، المدعوم أميركيًا وخليجيًا وإسرائيليًا والذي لا يزال في مرحلة التخطيط ودراسات الجدوى دون التزامات تمويل جدية.

 

في المقابل، يطرح العراق مشروع "طريق التنمية" بكلفة معلنة تناهز 17 مليار دولار على امتداد 1200 كيلومتر من ميناء الفاو إلى مرسين التركية، بدعم من الإمارات وقطر، في مشروع مصمم ليمر بعيدًا عن إسرائيل، خلافًا لممر IMEC الذي تحتل فيه إسرائيل موقعًا مركزيًا حتى بعد تبدل الأوضاع في سورية وإمكانية اشراكها في هذا المشروع بديلا لإسرائيل، كذلك هناك خطوط سكة الحديد التي تربط السعودية والأردن وسورية وتركيا، حيث أعلن وزير النقل السعودي صالح بن ناصر الجاسر في إبريل من العام الحالي أن دراسة جدوى خط سكة حديد يربط السعودية بتركيا عبر الأردن وسورية ستكتمل بنهاية العام، ويهدف المسار الجديد إلى نقل البضائع والنفط والغاز الطبيعي والركاب بين الخليج وتركيا وأوروبا، مستفيدًا من بنية تحتية قائمة جزئيًا، بحيث إن الجزأين الأردني والسوري هما الحلقة المفقودة.

 

أما على مستوى النفط فقد تم حديثا إعادة طرح إحياء خط أنابيب البصرة-العقبة في الأردن، ومن هناك يتم الربط مع مصر وصولا الى بعض الأسواق الأفريقية، حيث تسارعت وتيرة الملف بعد أن اتفق العراق والأردن في يونيو الماضي على تسريع تنفيذ المشروع، الذي يستهدف خطًا بطول يقارب 1700 كيلومتر بطاقة استيعابية تصل إلى 2.5 مليون برميل يوميًا، كذلك تم الحديث عن توسعة خط الأنابيب السعودي الشرقي-الغربي القائم أصلًا، ورفع طاقة محطة ينبع، إلى جانب تحويل سلطنة عمان إلى بوابة بحرية بديلة تتفادى مضيق هرمز كليًا.

 

والعقبة الرئيسية التي تواجه هذه المشاريع العملاقة أنها لا تأتي كمكونات لاستراتيجية إقليمية منسقة، بل مشاريع متنافسة يعكس كل منها اصطفافًا جيوسياسيًا مختلفًا، محور خليجي-إسرائيلي في مواجهة محور عراقي-خليجي مصري (الشرق الجديد) يتعمد تجاوز إسرائيل عبر طريق التنمية، في وقت تطور فيه كل دولة بمفردها خطوطها وبنيتها اللوجستية الخاصة فيما يشكل هدرا كبيرا للموارد، وهذه المسارات تعكس على نحو ما حالة الانقسام السياسي في المنطقة، وإذا أضفنا الصين وطريق الحرير، فإن الصورة سوف تزداد تعقيدا وصعوبة.

 

وحين توضع هذه المشاريع تحت مجهر الأرقام والكلف، يصعب تبرير الحماس المرافق لها، وحتى لو تحققت كل مشاريع الالتفاف حول مضيق هرمز مجتمعة، من توسعة الأنابيب السعودية إلى بوابة عُمان إلى إحياء خط البصرة-العقبة، فإن السقف المجمّع لطاقتها الاستيعابية يظل محصورًا بنحو 12 إلى 13 مليون برميل يوميًا، وهو تحسن ملموس عن الطاقة الحالية، لكنه يبقى أدنى من السعة اللازمة لتعويض إغلاق مضيق هرمز، ومن الواضح أنه حتى في أفضل السيناريوهات فإن هذه المشاريع لن تعالج الاختناق الاستراتيجي، بل تخفف حدته جزئيًا.

 

إن ما تحتاجه منطقتنا ليس ممرات إضافية وبديلة، بل تعزيز الثقة التي تحتاجها شركات الشحن والتأمين والمصدرون لإعادة توجيه سلاسل إمدادهم، وهذه الثقة لا تبنيها خطوط أنابيب او موانئ جديدة، بل استقرار أمني وسياسي فعلي وقابل للتنبؤ به على المدى الطويل، فالحلول الجزئية قابلة للانتكاس ومرتبطة بالأحداث وتتابعها.

 

وبات المطلوب التفكير في صيغ إقليمية جديدة تعالج مصدر التهديد نفسه؟ فالمخاطر المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب ليست مشكلة جغرافية بالأساس، بل نتاج مباشر لتوترات سياسية وأمنية قائمة، من النزاع الإيراني-الإسرائيلي والممارسات الإسرائيلية المتواصلة لخلق مشاكل ونزاعات في المنطقة توفر الحافز لمزيد من التوتر، وهو ما يعني أن أي ممر بديل، مهما بلغت كلفته وطاقته الاستيعابية، سيبقى عرضة لأشكال مشابهة من الاختراق أو التعطيل ما دامت هذه التوترات الجذرية قائمة دون معالجة.

 

ولا يوجد ما يمنع من الاستثمار في تنويع مسارات النقل والطاقة، فهذا مبدأ سليم في أي استراتيجية اقتصادية، لكن حين يتحول هذا التنويع إلى ما يشبه الهوس الذي يستنزف مئات المليارات في مشاريع متنافسة لا تضمن إعادة إنتاج السيولة والسهولة التي كانت تتمتع بها الممرات التقليدية، يصبح السؤال: هل نبني بدائل حقيقية للمخاطر القائمة؟ أم نسعى لإيجاد بدائل حتى لو كانت مكلفة وتحمل في طياتها هشاشة سياسية وانعدام الفعالية الاقتصادية، بحيث إن الحماس السياسي لهذه المشاريع يفوق جدواها الاقتصادية والتشغيلية، وقد يصنف ضمن ردات الفعل وليس مقاربة استراتيجية تتسم بالواقعية.