علي باكير
كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران
أثار غياب مصر عن ميثاق مكة اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا بالنظر إلى أهمية وحجم الحدث على الصعيد الإقليمي، بالإضافة إلى موقع مصر ودورها في العالم العربي، والعلاقة التي تربطها بكل من السعودية وتركيا.
وفي تفسير هذا الغياب، تمّ نشر تقريرين أساسيّين حول هذ الموضوع، واحد صدر من منصة مصرية "مدى مصر" والآخر بعد فترة وجيزة من منصة في لندن "ميديل إيست آي". إدعت الأولى في تقريرها أن الحلف دعا مصر لعضويته لكن القاهرة رفضت أن تكون عضوًا فيه. أمّا الثانيّة، فقد إدّعت أنّ مصر طلبت الإنضمام إلى الحلف، لكن المملكة العربية السعودية اعترضت على ذلك، ما أدّى إلى رفض انضمامها.
الحقيقة أنّ كلا الادعاءين غير صحيح ليس من خلال التحليل فحسب، وإنما من خلال التصريحات الرسمية التي صدرت في وقت لاحق على لسان المسؤولين في كل من مصر وتركيا حول الموضوع. وزير خارجية مصر قال إنّ بلاده تدرس الأمر بجدّية وأنّ هناك أمور قانونية وفنيّة وتقنية تتطلب مراجعة، مشيرًا إلى أنّ بلاده حاليًا منخرطة في الإطار الرباعي الذي يضم تركيا والسعودية وباكستان بالإضافة إلى مصر التي تربطها علاقات متميزة للغاية مع الدول المذكورة ليس فقط على الصعيد السياسي.
أضاف الوزير إنه عندما يكون هناك تعاون دفاعي ويكون هناك إلتزامات في هذا الشأن فمن الطبيعي أن يحتاج ذلك إلى دراسة في ضوء الدستور المصري والإلتزامات القانونية المترتبة عليها. هناك أفكار كثيرة بخصوص الترتيبات الأمنية في الإقليم في ظل التحديات غير المسبوقة التي يشهدها الإقليم ودول المنطقة بمنتهى الجدية.
من جانبه، قال وزير خارجية تركيا هاكان فيدان إنّ مصر هي شريكنا الطبيعي وأنّهم يدرسون الموضوع وأنّ هناك بعض الأمور التقنية التي يجري تقييمها وأنّه يأمل أن تصبح مصر كذلك شريكا رسميا في التحالف في وقت قريب. هذا التصريح من قبل فيدان تكرّر خلال الأيام القليلة الماضية في أكثر من شكل ولكن بنفس المضمون. ولا يفهم من خلال تصريحات الوزيرين ما يشير إلى أي من الروايتين اللتين تم الترويج لهما في تفسير غياب مصر عن إعلان التحالف الثلاثي في مكّة. أمّا وقد تمّ توضيح هذه النقطة، من الممكن أن نشير إلى بعض الملاحظات التي قد تساعد على تفسير الموقف وفق فهمنا للسياسة المصرية التقليدية.
أولًا، فكرة التحالف الأساسية هي فكرة تركية، لكنّها بنيت على التحالف الذي حصل بين المملكة العربية السعودية وباكستان بطلب مباشر من تركيا. وبالتالي، بدأت المفاوضات بصورة طبيعية بين الدول الثلاث التي كانت تمتلك أساسًا أمنيًا وعسكريًا أكثر رسوخًا للتعاون.
ثانيًا، أثناء النقاشات بشأن التحالف الدفاعي، لم يكن هناك حديث عن مصر في أي مرحلة، لكن مصر كانت حاضرة فعليا في الإطار الرباعي التشاوري، وعليه فهي ليست خارج إطار التنسيق الإقليمي بشان القضايا الإقليمية المهمة.
ثالثًا، بخلاف علاقات مصر بالمملكة العربية السعودية وتركيا، لا تمتلك مصر علاقات عميقة مع باكستان بالشكل التي تمتلكه الرياض وأنقرة مع اسلام أباد. وعندما يتعلق الأمر بالأمن والدفاع، فإنّ الموضوع يصبح أكثر إلحاحًا، فالدول لا تنشيء تحالفات من فراغ ومن دون وجود حد أدنى من الأرضية المشتركة.
رابعًا، القاهرة حذرة تقليديًا من الدخول في تحالفات رسمية يمكن أن تحد من قدرتها على الاستفادة القصوى من مختلف الأطراف حتى عندما تكون هذه الأطراف في حالة تنافس أو خلاف مع بعضها البعض. على سبيل المثال، علاقات القاهرة ممتازة الآن مع تركيا لكن مصر تتمتع أيضا بعلاقات ممتازة مع اليونان وقبرص علمًا أنّهما جزء من تحالف مع إسرائيل ضد تركيا شرق المتوسط. أيضا علاقات مصر مع السعودية جيدة عموما لكن لمصر علاقات متقدمة مع الإمارات كذلك المنخرطة في الاتفاقات الإبراهيمية والتي تتبع سياسات مناقضة لسياسات حلف مكّة أو حتى مصر نفسها.
خامسًا، العامل الإسرائيلي قد يكون أحد عناصر الحذر المصري. لمصر حسابات فيما يتعلق بالسياسات الإسرائيلية ومصالح اقتصادية وأخرى متعلقة بالطاقة والغاز كذلك، كما أنّ مصر مرتبطة معها باتفاقية سلام، وقد لا تريد أن تبدو جزءًا من تحالف أمني ودفاعي ضدها في الوقت الحالي.
ومع ذلك، تظل مصر مرشحة للانضمام ولا شك أن انضمامها سيزيد من وزن ونفوذ التحالف على المستوى الإقليمي لاسيما في منطقة شمال أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، لكن قد تكون له تبعات تتطلب من مصر اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا في أزمات إقليمية معينة، وربما الدخول في مواقف لا تتطابق فيها حساباتها مع أهداف التحالف لاسيما عندما تحضر العلاقة مع الأطراف المناوئة للحلف. إذ قد تفضل القاهرة الحفاظ على هامش من المناورة في الملفات التي تتطلب مصالحها الوطنية فيها قدرًا من المرونة.
لكن في المقابل، علينا أن نسأل أيضًا، هل يريد أطراف الحلف الثلاثي توسيع الحلف الآن في هذه اللحظة؟ صحيح أنّهم قالوا إنّ الحلف مفتوح ويرحب بانضمام الدول الأخرى التي تشاطره نفي المصالح والأهداف، إلاّ أنّني لا أعتقد أنّهم يريدون توسيعه الآن قبل أن يتم بناء لبناته الأولى، لكن ما أن يتم ذلك حتى يصبح منطقيا فتح الباب أمام الآخرين للانضمام خاصة إذا ما نجح الحلف في بناء قاعدة صلبة للتعاون وبشكل محدد ومعرف وقابل للقياس. أمّا السؤال الآخر فهور يتعلق بـ "ماذا باستطاعة مصر أن تقدّم من الناحية العسكرية أو الدفاعية أو المالية في حلف يقوم على التكامل بين هذه المعطيات الثلاث بين الدول الثلاث؟

