أحيت جماعة الإخوان المسلمين الذكرى الثالثة عشرة لفض اعتصامي رابعة والنهضة ببيان حمل توقيع الدكتور محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام، أكدت فيه أن أحداث 14 أغسطس 2013 لم تكن مجرد لحظة دموية عابرة، وإنما بداية لمسار ممتد من القمع والانقسام والتراجع في المجال العام والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وربط بيان صدر عن أ. د. محمود حسين، القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمون"، بين ما جرى في رابعة وبين واقع مصر خلال السنوات التالية، معتبرًا أن الاعتقالات الواسعة وإغلاق المجال العام وتراجع الحقوق والحريات لم تحقق استقرارًا حقيقيًا، وأن الخروج من الأزمة يتطلب العودة إلى سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية وإطلاق مسار وطني جامع يضمن التعدد والتداول السلمي للسلطة.
رابعة جرح لم يندمل
استهلت الجماعة بيانها بالتأكيد على أن مرور 13 عامًا لم يمح أثر ما جرى في رابعة والنهضة، معتبرة أن دماء الضحايا ما زالت حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من المصريين الذين عاشوا واحدة من أكثر اللحظات انقسامًا في تاريخ البلاد الحديث.
وقدمت الجماعة أحداث 2013 باعتبارها مواجهة بين تجربة ديمقراطية وليدة وبين انقلاب أنهى مسارًا بدأ بانتخاب أول رئيس مدني وإقرار دستور عبر استفتاء شعبي، وهو المسار الذي رأت أنه حمل آمالًا واسعة بمستقبل أكثر انفتاحًا واستقرارًا.
وأكد البيان أن الجرائم التي ارتكبت خلال فض الاعتصامات وما تلاها لا تسقط بالتقادم، وأن المسؤولية عنها ستظل قائمة قانونيًا وتاريخيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن غياب المحاسبة لم ينه الملف وإنما أبقاه مفتوحًا في الذاكرة العامة.
كما ربطت الجماعة بين العنف الذي شهدته تلك المرحلة وبين ما وصفته بتوسع الاعتقالات وتراجع الاقتصاد وتدهور أوضاع المجتمع، معتبرة أن الاعتماد على القبضة الأمنية لم ينتج شرعية ولا شعبية ولم يحقق الاستقرار الموعود.
وذهب البيان إلى أن السنوات الماضية أثبتت، من وجهة نظر الجماعة، أن الأوطان لا تبنى بالغلبة أو الإقصاء، وأن العدالة وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان تظل شروطًا أساسية لأي استقرار حقيقي وقابل للاستمرار.
الحقوق بوابة الخروج
أكدت الجماعة أن رؤيتها للخروج من الأزمة الحالية تقوم على احترام الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز بسبب الانتماء أو التوجه، مع صون الكرامة الإنسانية وضمان استقلال القضاء وتطبيق القانون على الجميع.
وشدد البيان على ضرورة فتح مسارات وطنية تعلي المصلحة العامة وتسمح بمشاركة مختلف القوى، معتبرًا أن استمرار الانغلاق والإقصاء لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وإطالة عمر الانقسام داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، أعادت الجماعة التذكير بالموقف الذي أعلنه المرشد العام محمد بديع من منصة رابعة بشأن التمسك بالعمل السلمي ورفض العنف، مؤكدة أن الإصلاح يجب أن يمر عبر الوسائل المدنية واحترام إرادة المواطنين.
كما جددت تمسكها بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة في إطار دولة القانون والمؤسسات، معتبرة أن أي مستقبل مستقر لمصر يحتاج إلى قواعد تسمح بالتنافس والمشاركة ولا تعيد إنتاج الإقصاء أو الهيمنة.
وفي المقابل، تضمن البيان إقرارًا بحاجة القوى والحركات السياسية إلى مراجعة تجاربها، إذ أكد أن أي حركة جادة مطالبة بتقييم أدائها والاستفادة من أخطاء الماضي وتطوير مؤسساتها وخطابها بما يتناسب مع تحديات الحاضر.
وبذلك، جمع الخطاب بين تحميل السلطة الحالية مسؤولية واسعة عن المسار الذي أعقب 2013 وبين الدعوة إلى مراجعة التجارب السابقة داخل القوى المعارضة نفسها، في محاولة لطرح تصور يتجاوز مجرد استعادة صراع الماضي.
رسالة للداخل والخارج
وجهت الجماعة جزءًا من بيانها إلى أعضائها داخل مصر وخارجها، مثمنة ما وصفته بصمودهم خلال سنوات الاعتقال والملاحقة والتضييق، ومؤكدة تمسكها باستمرار العمل الدعوي والمجتمعي رغم ما واجهته من تحديات.
كما خاطبت الشعب المصري بصورة أوسع، معتبرة أن المعاناة لم تعد مقصورة على فصيل أو تيار بعينه، بل امتدت إلى شرائح اجتماعية واسعة بفعل تراجع الاقتصاد وارتفاع مستويات الضغوط المعيشية والانغلاق العام.
وحاول البيان تقديم ذكرى رابعة بوصفها مناسبة لاستعادة فكرة الأمل لا مجرد استدعاء الألم، إذ أكد أن استمرار الأزمات لا يعني استحالة التغيير وأن المجتمعات قادرة على تجاوز مراحل القمع والانقسام حين تستعيد مساحات العدالة والمشاركة.
واستند الخطاب في خاتمته إلى لغة دينية تؤكد الصبر والثبات، مستشهدًا بقوله تعالى «فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون» وقوله تعالى «والله معكم ولن يتركم أعمالكم».
وبعد 13 عامًا، تعيد الجماعة عبر هذا البيان التأكيد أن ملف رابعة بالنسبة إليها لم يغلق، وأن أي مصالحة حقيقية مع المستقبل تظل مرتبطة بالعدالة والمحاسبة وفتح المجال العام وإعادة بناء دولة تحترم حقوق المواطنين جميعًا.

