منير شفيق
مفكر عربي إسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بعد رفض نتنياهو كامل خريطة الطريق، التي تضمنها اتفاق وقف إطلاق النار، وقد أعلن ترامب تبنيها، وكذلك مساعدوه وصولًا إلى كوشنر وميلادينوف، لم يعد من ضرورة لمناقشة الوثيقة فلسطينيًا، لأن الكرة أصبحت في ملعب ترامب، ومجلس السلم العالمي الذي أعلن "احتلاله" لغزة، واعتبر نفسه المقرّر لمصيرها.
لعل القضية التي أصبحت الأشدّ إلحاحًا، والأَوْلى مناقشة، هي الموقف من اتفاق، أو اتفاقات، وقف إطلاق النار، منذ 25 يناير 2025 حتى اليوم. وذلك بالسماح، مهما كان الاضطرار، بأن يطبّق الاتفاق من طرف واحد، وهو الطرف الفلسطيني (صاحب القضية). أما الطرف الصهيوني المعتدي والمغتصب لفلسطين، والذي يمثله نتنياهو، فلا يلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، ويستمر بالحرب، وارتكاب كل جرائم الاحتلال والإبادة، كما لو لم يكن ثمة اتفاق.
وبهذه المعادلة تحوّلت الحياة في غزة إلى جحيم، لا يختلف عن جحيم الحرب الموجهّة ضد المدنيين، ولا سيما ضدّ الأطفال، بهدف ألّا يبقى في قطاع غزة، إمكان لحياة. فما كان لهذه المعادلة، المرفوضة مطلقًا بكل منطق ومن الأغلبية الساحقة من دول العالم، أن تستمر لولا التواطؤ الأمريكي. وذلك، بالرغم مما نشب من تناقض بين ترامب ونتنياهو، في عدة قضايا، ومن بينها، الآن، الموقف من خريطة الطريق التي وافق عليها ترامب، ورماها نتنياهو في وجهه.
هذا التناقض يعطي للمقاومة والشعب في قطاع غزة سببًا إضافيًا، لرفض معادلة وقف إطلاق النار من جانب واحد فقط. ومن ثم ترك نتنياهو يغتال ويقصف، ويتحكم بعدد شاحنات المساعدات لغزة، كما يشاء. والكل يعرف أن مشيئته تفوق كل تصوّر، للوحشية والقتل واللؤم.
هذه المعادلة التي ترسّخت، واتسّمت بالتزام وقف إطلاق النار من جانب واحد، بينما يد الاحتلال مطلقة، امتدّت إلى مواقع ومناطق جديدة من فلسطين، امتدادًا لا يُحتمل.
الأول، في إطلاق يد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، لاغتصاب المزيد من الأرض، وازدياد بطش الجيش بالشعب، بما يفوق أي تحمّل.
الثاني، تصاعد الاعتداء على المسجد الأقصى، وانتهاكه والتهديد حتى بتدميره، إن لم يكن فرض خريطة أخرى له.
الثالث، ما يجري في السجون، من إذلال وتجويع، وضرب واعتداءات، واغتصاب وإيصال للجنون، بما لا مثيل له، في أي بلد في العالم. إن حالة السجناء اليوم تحتاج وحدها إلى الانفجار في وجه العدّو، فلسطينيًا، وعربيًا وإسلاميًا، وعالميًا.
على أن ثمة سببًا آخر، يفرض العودة إلى القتال والمواجهة (عدم التقيّد بوقف إطلاق النار)، وذلك بالاستناد إلى ميزان قوى عالمي وإقليمي، فضلًا عما يجري من حرب عالمية، أربكت أمريكا وترامب، وراحت تهدّدهما بهزيمة أمام إيران، وبمواجهة أزمة اقتصادية عالمية. وهنا يجب أن يضاف ما راح يتطوّر من صراع ضدّ ترامب والكيان الصهيوني، والإيباك الأمريكي في الولايات المتحدة نفسها.
وبكلمة، فإن كل موجبات تمرير معادلة وقف إطلاق النار، من جانب واحد، يجب أن تسقط. وذلك من خلال الردّ على كل رصاصة بمثلها، وكل ضرب بمثله، كما من خلال إفهام ترامب أنه لا يستطيع تمرير ما يسمّى بمجلس السلم العالمي، بالرغم من رفضه أصلًا في غزة، كما لا يستطيع أن يغطي نتنياهو، في الضفة والقدس، والمسجد الأقصى، والسجون. وسيلحق به الضرران: الفشل وسوء السمعة.

