محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
لا تصنع الأنظمة الاستبدادية (أو غيرها) مذاهبَ دينيةً، بل تستثمر في الموجود. وطوال الوقت، كان الجميع موجودًا بدرجات متفاوتة، فالعقلانية أو الإصلاحية أو الوسطية أو السلفية أو الجهادية نزوعات إنسانية قبل أن تكون (ومع أنّها) استجابات لواقعها، ومن ثمّ فالجميع هنا، في كلّ لحظة. لكن مَن يصعد، ومَن يتوارى، ومَن يتغيّر بفعل الظرف والواقع والدفع السياسي والاجتماعي، هذه أمور يحدّدها، في الغالب، من غَلب.
مثلًا، حين دعت الحاجة إلى توظيف فصائل إسلامية لخدمة المصالح الأميركية في الحرب الباردة، لم تُفَصّل الأنظمة في السعودية ومصر وغيرهما جلابيب في مقاس "جثة" الزبون، بل فتحت الدولاب الزاخر بالفاخر والرديء، واختارت، ولبست وألبستنا جميعًا إلى الآن. وهكذا تفعل السلطة مع زبائنها، في كلّ الأوقات، بما يلائم مصالح صاحب "البوتيك" وحجم "دماغه"، وتكلفتها.
وإذا اعتبرنا صدارة المشهد في مصر نموذجًا، فإنّ نظرةً واحدةً كافيةٌ لإدراك حجم التشابه بين المقرَّبين من الميكروفون كي يعلو صوتهم، من دون غيرهم، سواء كانوا في مواقع إنتاج الخطابات الأصولية أو نقائضها، فالمورد والمستورد والموزّع جميعهم في خدمة مستثمر واحد، يبيع الجلباب والبدلة، والبيكيني والبوركيني، والبخور والحشيش، ونفَسه، لو لزم الأمر، المهم المكسب.
هذا في تقديري أحد الأوجه التي يمكننا أن نجيب بها عن سؤال: لماذا تحوّل التديّن المصري إلى هذا الكمّ كلّه من المظهرية والسماجة؟ لأنّه يشبه النظام الذي أتى به، النظام الذي يخدمه ليستخدمه: تديّن مستبدّ، وفارغ. هل ثمّة مستبدٌّ ليس فارغًا؟
يشتغل المستبدّ على الصورة، هكذا هو في السياسة والاقتصاد والتنمية وحتّى في تربية الأطفال، لا قيمة، لا معنى، لا إضافة، لكنّها الصورة التي تملأ غيابه حضورًا، وفراغاته تبييضًا وتسويدًا. بوستراته على كلّ حائط، خطاباته في كلّ شاشة، الشوارع التي يجرّدها من أشجارها ليطوّرها، والجسور التي يزيح من أمامها الأحياء والأموات والتواريخ والجغرافيات ليعلو بها، أكبر جامع وأكبر كنيسة وأكبر سارية علم، وعاصمة جديدة ودولة جديدة وقصور جديدة ومونوريل، لا البحر بحر ولا الشاطئ شاطئ ولا الخريطة هي الخريطة، فلماذا يظلّ الدين دينًا؟
الناس على دين ملوكهم. هذا مُحدِّد لم يغب يومًا من دنيا الناس، تتغيّر الأحوال والتفاصيل، لكنّهم يظلّون على دين ملوكهم، إذاعاتهم، شاشاتهم، خطاباتهم، مؤسّساتهم، فلماذا لا يكونون كذلك في مظاهر تديّنهم وإعلانهم عن انحيازاتهم من العقيدة إلى كرة القدم؟
نحن في مصر، هنا والآن، لسنا أمام تديّن موروث، سلفي أو إصلاحي، تراثي أو حداثي، صوفي أو وهابي، صحراوي أو زراعي، ذلك كلّه تفاصيل تجاوزناها، نحن أمام تديّن مستبدّ، أيًّا كانت مصادره وأيًّا كانت وجهته. تديّن فارغ من الدين، تديّن لن يمنحك الرحمة والعدل والمساواة ونصرة المستضعفين في الأرض، لكنّه سيمنحك صورة ذلك كلّه، الصورة على حساب الأصل، إذ لا أصل.
لا يتوقّف أصحاب القرار في مصر عن ادّعاء أنّ لديهم نيّات طيّبة بخصوص الخطاب الديني، ورغبة في إصلاحه، فقد تعب العالم كلّه منّا، كما أشار عبد الفتاح السيسي في أحد خطاباته منذ تسع سنوات مضت، مشيرًا إلى أنّ الأزمة هي أزمة المؤسّسة الدينية التي لا تساعده، وقد أتعبته، ويريد السيطرة عليها ليغيّرها، أو ربّما ليطوّرها مثل الشوارع والجسور والساحل الشمالي. والسؤال: ماذا فعلت الدولة خارج المؤسّسة الدينية؟ كيف استغلّت منصّاتها الإعلامية لتصدير خطاب موازٍ أو مقاوم لهذه المؤسّسة المُتعبة؟ ما اختياراتها في حكومتها ممّا يشير إلى توجّهها "المختلف"؟ أمختار جمعة وأسامة الأزهري في مكان كان يشغله حمدي زقزوق في دولة مبارك "الكُهَن"؟ أم خالد الجندي ومبروك عطية على شاشات المتحدة؟
الواقع أنّه من المستحيل أن تخاطر الدولة بتصدير خطابات دينية من شأنها تحرير عقول المتديّنين وضمائرهم، فالمواطن الذي سيتحرّر في علاقته بالسماء لن يلبث أن يلتفت إلى حرّيته على الأرض، ومن ثمّ يتحوّل إلى خائن وعميل ويساري وإخواني وعضو في جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، و"يشرَّف جنب إخوته".

