يخوض الطبيب وعالم الأوبئة الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد، المعروف على نطاق واسع باسم "عبدول السيد"، واحدة من أكثر المعارك الانتخابية إثارة في الولايات المتحدة، في سباق قد ينتهي بتسجيل اسمه في التاريخ السياسي الأمريكي كأول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، إذا نجح أولاً في انتزاع ترشيح الحزب الديمقراطي، ثم الفوز في الانتخابات العامة المقررة خلال شهر نوفمبر المقبل.

 

ولا ينظر إلى هذه المنافسة باعتبارها مجرد سباق انتخابي داخل ولاية ميشيغن، بل بوصفها اختباراً حقيقياً لمستقبل التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ولقدرة المرشحين المناهضين للحرب الإسرائيلية على غزة على تحدي نفوذ جماعات الضغط السياسية والمالية، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك"، التي أصبحت لاعباً مؤثراً في العديد من الانتخابات الأمريكية.

 

من كلمة أمام بيل كلينتون إلى سباق مجلس الشيوخ

 

تعود بداية الحكاية إلى عام 2007، عندما اختير عبد الرحمن السيد لإلقاء كلمة الخريجين في جامعة ميشيغن بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، الذي أبدى إعجابه بقدراته الخطابية، وشجعه على التفكير في دخول الحياة السياسية، وهي النصيحة التي بقيت حاضرة في ذهن الشاب المصري الأمريكي حتى قرر بعد سنوات الانتقال من العمل الأكاديمي والصحي إلى المنافسة السياسية.

 

وبعد ما يقرب من عقدين، يجد عبد الرحمن السيد نفسه أمام فرصة استثنائية لكتابة صفحة جديدة في التاريخ الأمريكي، في ظل تصاعد الحضور السياسي للأمريكيين من أصول عربية ومسلمة، وتزايد تأثير التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.

 

مواجهة انتخابية شرسة وإنفاق قياسي ضده

 

يواجه عبد الرحمن السيد منافسة قوية أمام النائبة الديمقراطية الحالية هايلي ستيفنز، وسط معركة انتخابية تشهد أحد أكبر معدلات الإنفاق المالي في تاريخ الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

 

وتشير تقديرات الحملة إلى أن جماعات الضغط واللجان السياسية الداعمة لإسرائيل ضخت أكثر من 55 مليون دولار لدعم منافسته، في محاولة لمنع وصوله إلى مجلس الشيوخ، في تكرار لما شهدته انتخابات أخرى خاضها مرشحون تبنوا مواقف منتقدة للسياسات الإسرائيلية.

 

ويرى مراقبون أن هذه الأموال تعكس حجم الرهانات السياسية المرتبطة بالمقعد، خاصة مع تصاعد الانقسام داخل الحزب الديمقراطي بشأن الحرب في قطاع غزة ومستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.

 

غزة كانت نقطة التحول

 

لم يكن عبد الرحمن السيد يعتزم خوض الانتخابات، بحسب ما أكده خلال حملته، غير أن قرارات إدارة الرئيس دونالد ترامب بتجميد التمويل الفيدرالي لبرامج ومؤسسات صحية في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة، ومن بينها ولاية ميشيغن، دفعته إلى إعادة النظر في مستقبله السياسي.

 

وقال إن تلك القرارات، إلى جانب استمرار توجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، كانت من أبرز الأسباب التي دفعته إلى دخول السباق الانتخابي، مؤكداً أن أولويات الإنفاق يجب أن تكون داخل الولايات المتحدة، وليس في تمويل الحروب الخارجية.

 

موقف حاد من إسرائيل ولوبيات الضغط

 

يشكل الملف الفلسطيني أحد أبرز محاور حملة عبد الرحمن السيد، إذ يتبنى مواقف شديدة الانتقاد للحكومة الإسرائيلية، ويدعو إلى التعامل معها باعتبارها دولة تنتهك القانون الدولي عندما تخالف المواثيق الدولية.

 

كما يطالب بإنهاء ما يصفه بسياسات الفصل العنصري، وضمان المساواة الكاملة في الحقوق لجميع السكان، إلى جانب وقف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل وربط أي مساعدات أمريكية بالالتزام بالقانون الدولي.

 

وخلال مقابلة إعلامية، رفض الانخراط في الأسئلة التقليدية المتعلقة بحق إسرائيل في الوجود، معتبراً أن القضية الأساسية تتمثل في أحقية استمرار تمويلها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، ووصف الجدل الدائر حول هذا السؤال بأنه يعكس تأثير جماعات الضغط داخل الحياة السياسية الأمريكية.

 

حملة انتخابية مختلفة

 

حرص عبد الرحمن السيد على تقديم نموذج غير تقليدي للسياسي الأمريكي، إذ مزج خلال فعالياته الانتخابية بين الخطاب السياسي والروح المرحة، مستخدماً المواقف الكوميدية إلى جانب الشرح التفصيلي لبرنامجه الانتخابي.

 

ويرى أن هذه الطريقة تساعد على تقريب السياسة من المواطنين، خاصة الشباب، وتكسر الصورة التقليدية الجامدة للسياسيين، في وقت تركز فيه حملته على قضايا الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية وخفض تكاليف المعيشة.

 

كما يربط بصورة مباشرة بين ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي في الخارج وبين الضغوط الاقتصادية التي يعانيها المواطن الأمريكي، معتبراً أن إعادة توجيه الموارد إلى الداخل تمثل خطوة أساسية لتحسين حياة الأمريكيين.

 

جذور مصرية وحضور مبكر في العمل العام

 

ولد عبد الرحمن السيد، البالغ من العمر 42 عاماً، في مدينة ديترويت بولاية ميشيغن لعائلة مصرية مهاجرة، وقضى جزءاً من طفولته متنقلاً بين الولايات المتحدة ومصر، وهو ما يقول إنه منحه رؤية مختلفة للعالم.

 

وبرز خلال سنوات الدراسة في رياضة المصارعة، قبل أن يتجه إلى المجال الأكاديمي، حيث جمع بين دراسة علوم الأحياء والعلوم السياسية في جامعة ميشيغن، ثم حصل على منحة رودس المرموقة لاستكمال دراسته في جامعة أكسفورد، ونال الدكتوراه في الصحة العامة، قبل أن يحصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا بدعم من المعاهد الوطنية للصحة.

 

ويمتلك سجلاً أكاديمياً لافتاً، إذ نشر أكثر من مائة دراسة علمية محكمة في مجالات الصحة العامة والأوبئة والسياسات الصحية.

 

مسيرة مهنية في الصحة العامة

 

دخل عبد الرحمن السيد العمل الحكومي عام 2015 عندما تولى إدارة الصحة بمدينة ديترويت، ليصبح أصغر مسؤول صحي يتولى هذا المنصب في إحدى المدن الأمريكية الكبرى.

 

وخلال فترة عمله، شارك في إعادة بناء المنظومة الصحية للمدينة بعد الأزمة المالية التي تعرضت لها، قبل أن يخوض عام 2017 الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ولاية ميشيغن، حيث حل في المركز الثاني.

 

وفي عام 2019 تولى قيادة قطاع الصحة في مقاطعة واين، واستمر في المنصب حتى عام 2025، وشهدت تلك الفترة إطلاق برامج لإلغاء ديون طبية على المواطنين بلغت قيمتها نحو 700 مليون دولار، استفاد منها قرابة 300 ألف شخص.

 

كما شارك في إعداد السياسات الصحية ضمن فرق عمل الرئيس السابق جو بايدن، وكذلك مع السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

 

رؤية اقتصادية مختلفة

 

على الرغم من تصنيفه ضمن التيار التقدمي، يرفض عبد الرحمن السيد وصف نفسه بالاشتراكي، مؤكداً أنه يؤمن بالرأسمالية، لكنه يرى أن النظام الاقتصادي الحالي لا يعكس المنافسة الحرة، بل يسمح بتركيز الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات والمجموعات الاقتصادية.

 

ويقول إن خلفيته العلمية تدفعه إلى البحث عن حلول عملية للمشكلات بدلاً من الانشغال بالشعارات الأيديولوجية، معتبراً أن إصلاح الاقتصاد الأمريكي يبدأ بكسر الاحتكارات وتحسين الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية.

 

دعم من شخصيات تقدمية

 

يحظى عبد الرحمن السيد بدعم عدد من أبرز رموز التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتهم السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إلى جانب عدد من المنظمات المدنية والحقوقية، بينها حركات يهودية تعارض الحرب على غزة، ومنظمات عربية وأمريكية تدافع عن الحقوق الفلسطينية.

 

ويرى مؤيدوه أن وصوله إلى مجلس الشيوخ سيمثل تحولاً مهماً في تمثيل الأمريكيين المسلمين والعرب داخل المؤسسات الفيدرالية، كما سيعزز حضور الأصوات المطالبة بإعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.