شيع أهالي قطاع غزة 112 شهيدا من عائلتي الحساينة وأبو شريعة في حي الصبرة بمدينة غزة، بعد انتشال رفاتهم من تحت أنقاض مربع سكني دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب، لتنتهي سنوات من الانتظار لدى بعض الأسر بجنازة جماعية وصفتها وسائل إعلام فلسطينية بأنها من الأكبر في تاريخ فلسطين.
تكشف جنازة 112 شهيدا في غزة امتداد أثر مجزرة الصبرة من يوم القصف إلى سنوات البحث تحت الركام، كما تضع استمرار القيود على معدات الإنقاذ أمام مسؤولية الاحتلال وحلفائه والوسطاء، بينما لم تنجح حكومة عبد الفتاح السيسي في تحويل دورها التفاوضي إلى ضمان عملي يسرع الوصول إلى آلاف المفقودين.
🎥فيديو| تخرج غزة اليوم في وداع 112 شهيدًا من أصل 308 شهداء من عائلة شريعة والحساينة، الذين ارتقوا في مجزرة الاحتلال الدامية بحي الصبرة
— وكالة شهاب للأنباء (@ShehabAgency) August 4, 2026
▪️شيّعت غزة ثلث شهداء المجزرة، فيما لم يتمكن الدفاع المدني من العثور على جثامين باقي الشهداء، منهم من تبخرت، ومنهم من تطايرت ومنهم من تحللت ولم… pic.twitter.com/oJgdwdbHED
مجزرة الصبرة تنتهي بجنازة 112 شهيدا بعد انتظار امتد أعواما
وبدأت فصول المجزرة في 23 نوفمبر 2023، قبل ساعات من دخول الهدنة الإنسانية الأولى، عندما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مربعا سكنيا يضم منازل لعائلتي الحساينة وأبو شريعة في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، ما أسفر عن سقوط عشرات المدنيين وبقاء أعداد من الضحايا تحت الأنقاض بسبب تعذر الوصول إليهم.
وفي ساحة مفتوحة بمدينة غزة، اصطفّت جثامين الشهداء داخل أكفان بيضاء ولف عدد منها بالعلم الفلسطيني، بينما تجمع أقارب الضحايا وسكان الحي لأداء صلاة الجنازة وتوديع أفراد ظلوا مفقودين لفترة طويلة، وارتفعت أصوات البكاء والتكبير والدعاء بين أسر وجدت نفسها أمام دفن جماعي بعد انتظار قاس.
وبحسب المعطيات التي أعلنها الدفاع المدني في غزة، شملت الحصيلة المنتشلة 40 طفلا و38 سيدة و7 من ذوي الإعاقة، وهي أرقام تعكس الثقل المدني للضحايا الذين كانوا داخل مساكنهم عند القصف، كما توضح أن المربع السكني المستهدف كان يضم عائلات ممتدة فقدت أجيالا متعددة في ضربة واحدة.
ومن جانبه، اعتبر عمر شاكر، المدير السابق لقسم إسرائيل وفلسطين في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن نمط الغارات التي قتلت مدنيين ومحت عائلات كاملة ارتبط بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي، ودعا الدول إلى وقف نقل السلاح الذي يسهم في الانتهاكات ودعم مسارات المحاسبة الدولية بحق المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين.
وبذلك، لا تنفصل جنازة عائلتي الحساينة وأبو شريعة عن سجل أوسع من الضربات التي أصابت منازل ومربعات سكنية في قطاع غزة، لأن استمرار العثور على رفات ضحايا بعد سنوات يضيف أسماء جديدة إلى السجلات الرسمية ويكشف أن أرقام القتلى المعلنة أثناء القصف لم تكن تشمل كل من بقي تحت الركام.
حفار واحد ورفات مجهولة يكشفان أزمة انتشال آلاف المفقودين
وعقب توقف عمليات عسكرية في مناطق من القطاع، استأنفت طواقم الدفاع المدني البحث في مواقع كان الوصول إليها متعذرا، واستمرت عملية حي الصبرة وفق البيانات المعلنة 136 ساعة من العمل المتواصل، قبل أن تنتهي بانتشال رفات الشهداء الذين نقلوا للتعرف عليهم وتجهيزهم للدفن ثم تسليمهم إلى عائلاتهم لإقامة الجنازة.
أما أزمة الانتشال فتتجاوز حي الصبرة، إذ تعمل فرق الإنقاذ بإمكانات محدودة وسط عشرات الملايين من أطنان الركام، بينما تشير تقديرات متداولة لدى الجهات الإنسانية إلى وجود آلاف الجثامين والمفقودين تحت المباني المدمرة، وهو ما يجعل كل عملية بحث طويلة ومعقدة ويؤخر حصول الأسر على شهادة وفاة أو قبر معلوم.
وفي هذا السياق، حذرت كريستينا كاتانيو، أستاذة الطب الشرعي في جامعة ميلانو، من أن مرور الوقت يقلل فرص التعرف الدقيق على الرفات، لأن التحلل وفقدان السمات الجسدية وتشتت المتعلقات الشخصية يضعف الأدلة المتاحة، كما أن تدهور المادة الوراثية يجعل المطابقة أكثر صعوبة كلما طال بقاء الجثمان تحت الأنقاض.
وبموازاة ذلك، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن فرق البحث تحتاج إلى الوصول لكل المواقع المشتبه بوجود رفات فيها وإلى معدات ثقيلة وأدوات طب شرعي، بينما بقي إدخال كثير من هذه المعدات بالغ الصعوبة، الأمر الذي يحول نقص الآلات من مشكلة تشغيلية إلى عامل مباشر في تأخير العثور على الضحايا وتحديد هوياتهم.
ولهذا، لا يقتصر أثر نقص المعدات على بطء إزالة الخرسانة، لأن تحريك الركام دون إمكانات فنية مناسبة قد يبدد متعلقات شخصية أو يغير موضع الرفات، كما أن استمرار التأخير يضاعف معاناة الأسر التي لا تعرف مصير أبنائها ولا تستطيع استكمال إجراءات الوفاة والميراث ورعاية الأطفال المرتبطة بإثبات المصير قانونيا.
🎥 فيديو| موكب التشييع الأكبر في فلسطين.. 112 شهيدًا ودّعتهم غزة اليوم من عائلة أبو شريعة والحساينة، بعد انتشالهم من تحت أنقاض المربع السكني الذي دمّره الاحتلال وارتقى فيه 308 شهداء بعضهم لا يزال تحت الأنقاض، وبعضهم تبخّرت جثامينهم، في مشهد قاسٍ وشاهد على جرائم الاحتلال pic.twitter.com/bGuqUjxOWS
— وكالة شهاب للأنباء (@ShehabAgency) August 4, 2026
المساءلة الدولية تتعثر والوساطة المصرية لا تكسر قيود الاحتلال
وعلى المستوى القانوني، يرى راجي الصوراني، مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن غياب المحاسبة شجع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، وقد حذر سابقا من تحول غزة إلى مساحة تنهار فيها قواعد القانون الدولي عندما تحمي قوى غربية إسرائيل من العواقب القانونية، وهو تقييم يمنح ملف رفات الصبرة بعدا يتعلق بحفظ الأدلة وملاحقة المسؤولين.
ومن ناحية أخرى، تفرض واقعة الصبرة سؤالا مباشرا على الدول التي شاركت في الوساطة وطرحت وقف إطلاق النار باعتباره مدخلا لتخفيف المعاناة، لأن بقاء آلاف الجثامين تحت الركام مع استمرار صعوبة إدخال المعدات الثقيلة يعني أن التهدئة السياسية لم تتحول إلى قدرة إنقاذ كافية ولا إلى وصول مضمون للأدوات اللازمة لتوثيق الضحايا.
وفي القاهرة، تواصل حكومة عبد الفتاح السيسي إبراز قوافل المساعدات ودورها في الوساطة، لكن بيانات رسمية مصرية نفسها تؤكد مرور الشاحنات عبر مسار يخضع للتفتيش الإسرائيلي قبل دخول غزة، كما أقرت بأن الاحتلال رفض إدخال معدات ثقيلة لازمة لإزالة الأنقاض، ما يكشف محدودية النتائج العملية أمام التحكم الإسرائيلي في الإمدادات.
وبالرغم من استمرار القاهرة في إصدار بيانات إدانة والمشاركة مع قطر وتركيا في جهود التهدئة، فإن استمرار القصف بعد اتفاق وقف إطلاق النار وبقاء قيود الإنقاذ يضعان أداء الوساطة المصرية أمام معيار ميداني واضح، وهو قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الضحايا وإدخال الآلات اللازمة دون انتظار قرارات إسرائيلية تعطل عمليات الانتشال.
وأخيرا، توثق جنازة 112 شهيدا من عائلتي الحساينة وأبو شريعة نتيجة ملموسة للحرب في غزة، فالقصف أنهى حياة مدنيين داخل منازلهم والقيود أخرت الوصول إلى رفاتهم والضعف الدولي عطل المحاسبة، بينما تبقى مسؤولية الوسطاء وفي مقدمتهم القاهرة مرتبطة بما يحققونه فعليا من فتح للممرات وإدخال للمعدات لا بما تعلنه البيانات الرسمية.

