كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليوم الأحد أن حكومة الاحتلال أبلغت مجلس السلام اعتراضها على 3 بنود رئيسية في اتفاق غزة تتعلق بمصير سلاح حركة حماس ومشاركة قطر وتركيا في آلية التحقق وصلاحيات جيش الاحتلال داخل المناطق التي ستنتقل إلى قوة الاستقرار الدولية ما يهدد بتعطيل تنفيذ خارطة الطريق الأمريكية.
وتأتي الاعتراضات بينما يواصل الاحتلال تنفيذ هجمات داخل قطاع غزة رغم مسار وقف إطلاق النار ما يضع المدنيين أمام استمرار القتل والتشريد بالتوازي مع مفاوضات يفترض أن تقود إلى الانسحاب وإعادة الإدارة الفلسطينية وبدء الإعمار ويمنح حكومة بنيامين نتنياهو فرصة لفرض شروط أمنية جديدة قبل بدء الجدول التنفيذي للاتفاق.
سلاح حماس يتحول إلى ذريعة إسرائيلية لتأخير الانسحاب من غزة
وبحسب هآرتس يتركز الاعتراض الإسرائيلي الأول على مصير أسلحة حماس لأن الصيغة المطروحة تنص على جمع الأسلحة ووضعها تحت إدارة لجنة فلسطينية من التكنوقراط تتولى إدارة قطاع غزة بينما تطالب حكومة الاحتلال بإضافة نص صريح يضمن تدمير الأسلحة وعدم بقائها تحت إشراف أي جهة فلسطينية بعد جمعها.
وفي المقابل يربط موقف حماس ملف السلاح بتنفيذ الاحتلال التزاماته المتعلقة بوقف العمليات العسكرية والانسحاب من القطاع بينما أظهرت التطورات الأخيرة استمرار الخلاف حول ترتيب الخطوات إذ تتمسك إسرائيل بنزع السلاح الفعلي قبل الانسحاب في حين تتمسك الحركة بتنفيذ الالتزامات بصورة متزامنة تحول دون استخدام السلاح ذريعة لاستمرار السيطرة العسكرية.
ومن جهته قال هيو لوفات الباحث المتخصص في الشأن الفلسطيني الإسرائيلي بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إن موقف حماس من ملف السلاح شهد تحولا ملحوظا وإن مسؤولين في الحركة أبدوا خلال اتصالات غير معلنة استعدادا لمناقشة عملية لإخراج الأسلحة الهجومية من الخدمة وهو ما يجعل الخلاف مرتبطا أيضا بضمانات التنفيذ وترتيب الالتزامات.
وفي السياق نفسه أظهرت التطورات خلال يوليو أن حماس أعلنت حل هيئاتها الحكومية في قطاع غزة وطرحت نقل المسؤوليات إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة المؤلفة من شخصيات فلسطينية تكنوقراطية غير حزبية بينما ظل دخول اللجنة إلى القطاع موضع تعطيل وسط استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مساحات واسعة من غزة وتأخر تنفيذ ترتيبات المرحلة الانتقالية.
وعلى صعيد الإطار الدولي أقر مجلس الأمن القرار رقم 2803 في 17 نوفمبر 2025 وأيد الخطة الأمريكية الشاملة لإنهاء حرب غزة كما دعا الأطراف إلى تنفيذها كاملة وبحسن نية ومن دون تأخير وأجاز إنشاء قوة استقرار دولية بالتوازي مع إدارة فلسطينية انتقالية تتولى الخدمات والمؤسسات المدنية داخل القطاع.
وبدوره يرى يزيد صايغ الباحث في مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط أن تنفيذ المرحلة الثانية لا يمكن فصله عن استكمال التزامات المرحلة الأولى معتبرا أن مجلس السلام والدول التي أيدت القرار الدولي تتحمل مسؤولية توفير الظروف التي تسمح للجنة الفلسطينية بأداء مهامها بدلا من تحميل الإدارة الجديدة مسؤولية نتائج تعرقلها القيود المفروضة عليها.
إسرائيل ترفض مشاركة قطر وتركيا
أما الاعتراض الإسرائيلي الثاني فيستهدف تشكيل آلية التحقق المكلفة بالإشراف على الانتقال بين مراحل الاتفاق إذ ترفض حكومة الاحتلال مشاركة قطر وتركيا داخلها رغم الدور الذي لعبته الدولتان إلى جانب مصر والولايات المتحدة في الاتصالات التي قادت إلى وقف إطلاق النار وصياغة التفاهمات الخاصة بمستقبل قطاع غزة.
ووفقا للصيغة المطروحة تضم آلية التحقق ممثلين عن الدول الوسيطة ومجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية بهدف مراقبة التزام الأطراف بالجدول المتفق عليه وهو ترتيب يمنح الوسطاء دورا في تحديد وقوع الخروقات ومتابعة الانتقال بين مراحل نزع السلاح والانسحاب ونقل الإدارة الأمنية والمدنية إلى الجهات المحددة في الاتفاق.
وفي الوقت نفسه كان قرار مجلس الأمن نفسه قد أشاد بالدور الذي أدته الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا في تسهيل وقف إطلاق النار ما يجعل الاعتراض الإسرائيلي على مشاركة اثنين من الوسطاء في آلية التحقق خلافا يتجاوز الأسماء إلى الجهة التي ستملك صلاحية تقييم التزام إسرائيل وحماس بالخطوات التنفيذية.
ومن ناحية أخرى نقل الاحتلال اعتراضاته إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بصفته عضوا في مجلس السلام بينما كانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في يناير 2026 إدراج بلير ضمن المجلس التنفيذي المؤسس المكلف بمتابعة ملفات الإدارة والعلاقات الإقليمية وإعادة الإعمار والاستثمارات والتمويل المرتبط بالمرحلة الانتقالية في غزة.
وبالتوازي حذر المحلل السياسي الفلسطيني مصطفى إبراهيم من أن استمرار العمليات الإسرائيلية يجعل وقف إطلاق النار قائما بصورة شكلية أكثر منه واقعا مستقرا على الأرض مشيرا إلى استمرار القصف والقتل والتهجير وهو ما يضع آلية الرقابة أمام اختبار يتعلق بتوثيق الخروقات الإسرائيلية وليس فقط متابعة الالتزامات الفلسطينية المتعلقة بالسلاح والإدارة.
الاحتلال يريد الاحتفاظ بحرية الهجوم
أما الاعتراض الثالث فيمس جوهر الترتيبات الأمنية إذ ترفض إسرائيل التخلي الكامل عن حرية العمل العسكري داخل المناطق التي يفترض أن تنتقل إلى مسؤولية قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية التابعة للجنة الوطنية لإدارة غزة وتطالب بالاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات عسكرية داخل هذه المناطق حتى بعد انتقال المسؤولية الأمنية عنها.
وبذلك يصطدم المطلب الإسرائيلي مباشرة بمسار الانسحاب التدريجي الذي تقوم عليه خارطة الطريق لأن انتقال المنطقة إلى القوة الدولية يفترض أن ينهي الإدارة العسكرية الإسرائيلية المباشرة لها بينما يؤدي الاحتفاظ بحق الاقتحام والقصف إلى إبقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية قائمة عمليا حتى بعد تغيير الجهة المسؤولة رسميا عن الأمن داخل المنطقة.
وفي هذا الإطار قال دانيال ليفي رئيس مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط والمفاوض الإسرائيلي السابق إن الضغط الأمريكي على إسرائيل يمثل عاملا أساسيا للوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار وقد سبق أن حذر من مقترحات تتراجع عن الالتزام بوقف دائم للحرب والانسحاب وإدخال المساعدات بما يسمح باستمرار العمليات العسكرية بدلا من إنهائها.
وعلاوة على ذلك تظهر الوقائع الميدانية أن الخلاف لا يدور حول ترتيبات مستقبلية فقط إذ أفادت تقارير حديثة باستمرار الضربات الإسرائيلية داخل غزة بعد الإعلان الأمريكي عن تقدم في مسار الاتفاق بينما تتمسك حماس بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي قبل استكمال عملية نزع السلاح وتطالب إسرائيل في المقابل بنزع فعلي للسلاح قبل الانسحاب.
وفي غضون ذلك لم يحدد مجلس السلام حتى الآن موعد دخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ وقال مسؤول في المجلس إن الموعد سيحدد لاحقا على أن تبدأ بعد انطلاق التنفيذ فترة مدتها 14 يوما لوضع الجداول الزمنية التفصيلية الخاصة بالتزامات الاحتلال الإسرائيلي وحماس وترتيب الانتقال بين مراحل الاتفاق المختلفة.
وبعد ذلك يفترض أن تتحول الخطة من تفاهم سياسي إلى إجراءات قابلة للقياس تشمل نزع السلاح بصورة تدريجية وانتشار قوة الاستقرار الدولية ونقل الإدارة إلى اللجنة الفلسطينية وانسحاب القوات الإسرائيلية وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وهي ملفات يجعلها إدخال شروط جديدة قبل بدء التنفيذ عرضة لمزيد من التأخير والمساومات.
وفي المقابل يستند مجلس السلام إلى خطة ترامب المؤلفة من 20 بندا وإلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي أقر الإطار الدولي للعملية ودعا الأطراف إلى تنفيذ التزاماتها كاملة بينما يفترض أن تتولى لجنة فلسطينية تكنوقراطية إدارة الخدمات اليومية والمؤسسات البلدية خلال المرحلة الانتقالية تحت إشراف المجلس الدولي.
وأخيرا تضع الشروط الإسرائيلية الثلاثة الاتفاق أمام اختبار واضح قبل أن تبدأ مهلة التنفيذ إذ تطالب حكومة نتنياهو بتدمير سلاح حماس وفق آلية تقبلها وحدها واستبعاد قطر وتركيا من الرقابة والاحتفاظ بحرية العمل العسكري بعد تسليم المناطق للقوة الدولية وهي مطالب تبقي مفاتيح الانسحاب والرقابة والأمن في يد الاحتلال وتؤجل انتقال غزة إلى إدارة فلسطينية مستقرة.

