كشفت شكاوى أهالي عزبة خير الله بحي مصر القديمة عن تأخر الحكومة في صرف تعويضات نزع الملكية المستحقة لمئات الأسر، رغم توصية برلمانية صدرت في 13 مايو 2026، ما أبقى المتضررين بلا بدائل عادلة.

 

وفي المقابل، يعكس استمرار التعطيل نهجًا يقدّم إنجاز الطرق والمحاور على أمن السكان وكرامتهم، إذ تنتزع المنازل سريعًا بينما تتباطأ الدولة في دفع الحقوق، فتتحول مشروعات التطوير إلى عبء اجتماعي يدفع ثمنه الأضعف.

 

وبحسب الأهالي، لم تعد الأزمة مجرد تأخير إداري عابر، بل صارت تهديدًا مباشرًا لقدرتهم على استئجار مساكن بديلة، بعدما ارتفعت الإيجارات وتآكلت المدخرات، بينما بقيت مستحقاتهم معلقة بين محافظة القاهرة ووزارة النقل.

 

وعلى الرغم من المناقشات البرلمانية، لم تعلن الجهات التنفيذية جدولًا زمنيًا ملزمًا للصرف، ولم تكشف عدد الحالات التي انتهى حصرها أو قيمة المبالغ المودعة، ما يعمق الشكوك بشأن جدية الاستجابة لشكاوى الأهالي.

 

كما أن المتضررين يطعنون في قيمة التعويضات المقدرة، مؤكدين أنها تقل عن الأسعار الفعلية للعقارات بالمنطقة، ولا تسمح بشراء مسكن مماثل أو حتى تأمين إيجار طويل الأجل يحفظ استقرار أسرهم بعد الإزالة.

 

إضافة إلى ذلك، يشكو الأهالي غياب معايير معلنة للتقييم، وعدم تمكينهم من الاطلاع على أسس التسعير أو تقارير اللجان، فضلًا عن صعوبة التظلم بصورة فعالة قبل تنفيذ الإخلاء أو هدم العقارات المشمولة بالمشروع.

 

ومن ناحية أخرى، تضم المنطقة أسرًا يعيلها مسنون ومرضى مزمنون وأشخاص ذوو إعاقة، ما يجعل تأخير التعويض أشد قسوة، لأن هؤلاء يحتاجون إلى مساكن قريبة من العلاج والخدمات، ولا يملكون قدرة مالية على الانتظار.

 

لذلك، فإن التعامل مع الملف باعتباره مجرد نزاع مالي يتجاهل آثاره الممتدة على التعليم والعمل والصحة، إذ تضطر الأسر للانتقال بعيدًا، ويتحمل الأطفال اضطراب الدراسة، بينما يفقد بعض البالغين مصادر رزقهم المرتبطة بالمكان.

 

 

حقوق معلقة لسنوات

 

من جانبه، طالب النائب طاهر الخولي الحكومة بتنفيذ توصيات لجنة الإدارة المحلية، مؤكدًا أن ترك المواطنين ينتظرون حقوقهم لسنوات أمر مرفوض، وأن التعويض يجب أن يتناسب مع القيمة الحقيقية للعقارات ويحفظ الاستقرار المعيشي.

 

وفي السياق نفسه، كانت اللجنة قد أوصت بمخاطبة وزارة النقل لحصر المواقع التي لم يحصل أصحابها على التعويض، مع مواصلة التنسيق مع محافظة القاهرة لإنهاء المشكلات العالقة، لكن التوصية بقيت دون نتائج ملموسة.

 

وبالتالي، يكشف غياب التنفيذ محدودية الرقابة البرلمانية حين لا تقترن توصيات اللجان بمهل زمنية واضحة أو مساءلة مباشرة للمسؤولين، لتظل الحكومة قادرة على تأجيل حقوق المواطنين دون إعلان أسباب محددة أو تحمل تبعات التأخير.

 

ومن ثم، لا يكفي أن تناقش اللجنة شكاوى السكان أو تطلب إفادات مكتوبة، لأن جوهر الأزمة يتعلق بقدرة المؤسسات على إلزام الجهات النازعة للملكية بإيداع التعويضات قبل الإخلاء، وليس بعد تشريد الأسر واستنزاف مواردها.

 

وعلاوة على ذلك، ينص الدستور على صون الملكية الخاصة وعدم نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدمًا، ما يجعل تأخير الصرف مساسًا بضمانة دستورية، وليس مجرد خلل يمكن تبريره بالإجراءات البيروقراطية.

 

وبدوره، يرى المحامي والخبير في تشريعات الإسكان محمد عبد العال أن التوسع في الطرق والمحاور أفضى إلى الجور على ملكيات مواطنين، محذرًا من أن نزع المساكن دون حماية كافية يهدد الاستقرار الاجتماعي والحق الدستوري في التملك.

 

وبناء على ذلك، فإن تأخير التعويض يضاعف الضرر بدل جبره، لأن الأسرة تفقد عقارها ومصدر أمانها المالي في وقت واحد، ثم تدخل سوق إيجارات مرتفعة دون سيولة كافية، بينما تحتفظ الجهات الحكومية بأموال مستحقة لها.

 

وفوق ذلك، لا يعرف المتضررون إن كانت مبالغ التعويض قد أودعت بالفعل، أو إن كان التأخير ناتجًا عن نقص الاعتمادات أو نزاع بين الجهات، وهو غموض يفتح الباب أمام تبادل المسؤولية وإطالة الأزمة بلا رقابة.

 

أما الحديث الحكومي عن المنفعة العامة، فلا يمنح الإدارة حق تجاهل الضرر الخاص، لأن مشروعية المشروع لا تلغي وجوب حماية المتضررين، بل تفرض تعويضهم قبل التنفيذ وضمان عدم تدهور أوضاعهم السكنية والاجتماعية بعد الإزالة.

 

 

تقييمات دون رقابة

 

في هذا الإطار، يحدد القانون التعويض وفق الأسعار السائدة قبل قرار نزع الملكية، مع إضافة نسبة قدرها 20 في المائة، ويلزم الجهة طالبة النزع بإيداع المبلغ خلال مدة محددة، لكن التطبيق كثيرًا ما يخالف تلك الضمانات.

 

غير أن تقدير القيمة السوقية يظل موضع نزاع، لأن اللجان الحكومية لا تضم دائمًا مثمنين مستقلين، كما تفتقر إلى قواعد بيانات عقارية دقيقة، وهو ما قد يؤدي إلى تعويضات أدنى كثيرًا من تكلفة الحصول على مسكن بديل.

 

وفي هذا الصدد، أكد أستاذ القانون المدني عزت سلامة أن نزع الملكية استثناء لا يجوز اللجوء إليه إلا بضوابط محددة، وأن الحماية الدستورية للملكية تقتضي تعويضًا عادلًا يدفع مقدمًا، لا وعودًا مؤجلة بعد التنفيذ.

 

كذلك، فإن منع أصحاب العقارات من مراجعة تقارير التقييم أو الاستعانة بخبراء مستقلين يضعهم في مواجهة غير متكافئة مع الإدارة، التي تجمع بين طلب نزع الملكية وتحديد التعويض والإشراف على إجراءات الصرف والتظلمات.

 

وفي حين تستطيع الجهات الرسمية الاستناد إلى لجانها ومستنداتها، يدخل المواطن مسار الاعتراض دون معلومات كافية، ويتحمل تكاليف التقاضي والخبرة القانونية، بينما يظل محتاجًا إلى مسكن عاجل لا يحتمل انتظار سنوات أمام المحاكم.

 

ولهذا، فإن العدالة لا تتحقق بإضافة نسبة حسابية إلى تقييم منخفض أصلًا، بل تبدأ بتقدير مستقل وشفاف يراعي أسعار المنطقة، وحالة العقار، وتكلفة الانتقال، وخسارة النشاط الاقتصادي، والضرر الناتج عن اقتلاع الأسرة من محيطها.

 

 

تكلفة بشرية للتطوير

 

على صعيد متصل، يرى أستاذ علم الاجتماع سعيد إبراهيم أن نزع الملكية يجب أن يوازن بين حق الفرد واحتياجات المجتمع، حتى لا يتحمل مواطن بمفرده الكلفة الاجتماعية لمرفق يستفيد منه الجميع دون تعويض منصف.

 

وفي ضوء ذلك، لا يمكن فصل قيمة المنزل عن شبكة العلاقات والخدمات المحيطة به، لأن الانتقال القسري قد يبعد الأسرة عن مدارس أطفالها وأماكن عمل أفرادها ومراكز علاج مرضاها، ويضيف نفقات يومية لم تكن قائمة.

 

كذلك، تصبح الأسر التي تعيلها نساء أو مسنون أكثر عرضة للديون، إذ تضطر إلى دفع مقدمات إيجار وتأمينات ونفقات نقل الأثاث، بينما تظل أموال التعويض محتجزة بسبب إجراءات لم تشارك في صنعها أو تعطيلها.

 

إلى جانب ذلك، يرى خبير التطوير الحضري الحسين حسان ضرورة توفير خيارات عادلة أمام المواطنين، تشمل التعويض المناسب أو السكن البديل الملائم، مع تشكيل لجان مختصة تحدد الأسعار وفق ظروف كل منطقة وتحت رقابة واضحة.

 

ومع ذلك، لا تظهر في أزمة عزبة خير الله ضمانات كافية بشأن موقع السكن البديل أو ملاءمته لعدد أفراد الأسرة واحتياجات المرضى وذوي الإعاقة، كما لا توجد إفادات معلنة حول موعد تسليم الوحدات المقترحة.

 

وأخيرًا، تتطلب الأزمة قرارًا حكوميًا فوريًا بنشر كشوف الحالات وقيم التقييم ومواعيد الصرف، وفتح باب تظلم مستقل، ومراجعة التعويضات المتدنية، ومحاسبة المسؤولين عن التأخير، حتى لا يصبح التطوير عنوانًا لانتزاع البيوت وتعليق الحقوق.