شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا لدورات التنمية البشرية في مختلف الدول العربية، حتى أصبحت واحدة من أكثر المجالات جذبًا للراغبين في تطوير الذات وتحقيق النجاح المهني والشخصي. وتزامن هذا الانتشار مع ازدهار سوق الكتب التدريبية والمحاضرات المدفوعة والبرامج الإلكترونية، وسط حضور لافت لمدربين يقدّمون أنفسهم بوصفهم خبراء في القيادة والنجاح والإبداع وصناعة الثروة.
غير أن هذا التوسع الكبير لم يخلُ من موجة انتقادات متزايدة، إذ يرى مختصون ومراقبون أن جزءًا كبيرًا من هذه الصناعة بات يعتمد على التسويق أكثر من اعتماده على المعرفة العلمية، وأن كثيرًا من الدورات التدريبية تحولت إلى تجارة تبيع الأحلام والشعارات أكثر مما تقدم مهارات حقيقية أو أدوات عملية يمكن الاستفادة منها في الحياة أو سوق العمل.
كتب أكثر مبيعًا.. والمحتوى متشابه
يرى منتقدو صناعة التنمية البشرية أن المفارقة اللافتة تتمثل في تصدر كتب هذا المجال قوائم المبيعات داخل معارض الكتب والمكتبات، رغم تشابه محتواها بصورة كبيرة.
فالعناوين تكاد تكون متطابقة، والرسائل تدور حول الأفكار نفسها، مثل اكتشاف القدرات الكامنة، وتحقيق النجاح، والتفكير الإيجابي، وقانون الجذب، بينما تتكرر العبارات التحفيزية من كتاب إلى آخر دون تقديم إضافات معرفية حقيقية أو نتائج مدعومة بأبحاث علمية.
ويشير هؤلاء إلى أن معظم هذه الكتب تعتمد على قصص شخصية وتجارب فردية وصياغات إنشائية، مع التركيز على بث الحماس لدى القارئ أكثر من تقديم أدوات علمية قابلة للقياس والتطبيق.
صناعة قائمة على التسويق
ويؤكد مراقبون أن قطاع التنمية البشرية أصبح صناعة متكاملة تعتمد على التسويق الاحترافي وبناء الصورة الذهنية للمدرب.
فالمدرب غالبًا ما يظهر بصفات لافتة مثل "خبير عالمي" أو "مدرب دولي معتمد" أو "استشاري تطوير الذات"، مصحوبة بسلسلة طويلة من الألقاب والشهادات، بعضها صادر عن جهات غير معروفة أو مؤسسات لا تمتلك اعتمادًا أكاديميًا واضحًا.
كما تعتمد الدورات على أسماء جذابة مثل "استراتيجيات صناعة النجاح"، و"أسرار الذكاءات المتعددة"، و"الهندسة النفسية"، و"قانون الجذب"، وهي عناوين تجذب الباحثين عن تغيير سريع في حياتهم المهنية أو الشخصية.
أسعار مرتفعة وأرباح ضخمة
من أبرز الانتقادات التي توجه إلى هذا القطاع، الارتفاع الكبير في رسوم الدورات التدريبية، إذ قد تصل تكلفة بعض البرامج إلى آلاف الدولارات، بينما يتقاضى بعض المدربين مبالغ كبيرة مقابل ساعات محدودة من التدريب.
ويشير متابعون إلى أن بعض المؤسسات التدريبية تستقدم أسماء معروفة للترويج لدورات قصيرة، في مقابل أجور مرتفعة للغاية، وهو ما يعكس حجم الأرباح التي تحققها هذه الصناعة مقارنة بطبيعة المحتوى الذي يتم تقديمه.
شهادات بلا قيمة أكاديمية
وتثير الشهادات الممنوحة للمشاركين في هذه الدورات جدلًا واسعًا، إذ يؤكد منتقدون أن نسبة كبيرة منها لا تحظى باعتراف أكاديمي أو مهني لدى الجامعات أو المؤسسات الرسمية.
كما يشيرون إلى وجود جهات تمنح ألقابًا وشهادات تدريبية بسهولة، دون اشتراط مؤهلات علمية أو برامج تعليمية معتمدة، الأمر الذي أدى إلى انتشار مدربين يحملون عشرات الألقاب، بينما يفتقر بعضهم إلى المؤهلات الجامعية الأساسية.
ويرى مختصون أن غياب الرقابة على هذا القطاع ساهم في ظهور مؤسسات تدريبية تمنح شهادات تحمل أسماء أجنبية أو دولية بهدف إضفاء المصداقية، رغم عدم امتلاكها اعتمادًا رسميًا.
فجوة بين الخطاب والواقع
ومن أكثر النقاط التي يثيرها منتقدو برامج التنمية البشرية، وجود فجوة واضحة بين الخطاب الذي يقدمه بعض المدربين وبين واقعهم الشخصي أو المهني.
فمن يقدم دورات عن القيادة يفترض أن يمتلك تجربة قيادية حقيقية، ومن يتحدث عن الإبداع ينبغي أن يكون صاحب إنجازات ملموسة، ومن يدرب على الثراء وإدارة الأموال يُنتظر أن يكون نموذجًا ناجحًا في هذا المجال.
لكن، بحسب المنتقدين، تكشف بعض المواقف العملية عن غياب هذه الخبرات، حيث يفتقر بعض المدربين إلى المهارات الأساسية التي يقومون بتدريسها، وهو ما يضع علامات استفهام حول مدى أهلية عدد منهم لتقديم هذا النوع من التدريب.
بين التنمية الحقيقية والتنمية التجارية
في المقابل، يحرص مختصون على التمييز بين مفهوم التنمية البشرية كعلم يهتم بتطوير المهارات وبناء القدرات اعتمادًا على أسس علمية، وبين ما يصفونه بـ"التنمية التجارية" التي تقوم على التسويق العاطفي والوعود السريعة.
ويؤكد هؤلاء أن التدريب المهني والتطوير الذاتي يمثلان عنصرًا مهمًا في بناء الإنسان، لكن بشرط أن يستندا إلى مناهج علمية، ومدربين مؤهلين، وبرامج معتمدة، بعيدًا عن المبالغات والادعاءات التي لا تستند إلى أدلة.

