حذر 3 رؤساء شركات تعمل في قطاعات صناعية مختلفة بمصر من اتساع نقص العمالة الفنية المؤهلة، مؤكدين أن انتقال العمال بين المصانع أو خروجهم إلى أنشطة غير رسمية يهدد التوسع الصناعي وجذب الاستثمارات الأجنبية.

 

سياسياً، تكشف الأزمة فشلاً ممتداً في إدارة ملف التعليم الفني والأجور، إذ ترفع الحكومة شعارات التصنيع والاستثمار بينما تترك العامل يواجه الغلاء بدخل هزيل، وتترك المصانع تتصارع على عمالة لم تنجح الدولة في إعدادها.

 

وبالتالي، لم تعد المنافسة بين المصانع مرتبطة فقط بالأسواق أو التكنولوجيا، بل أصبحت معركة يومية للاحتفاظ بالعامل الماهر الذي يستطيع الانتقال سريعاً إلى منشأة منافسة تعرض أجراً أعلى أو مزايا أكثر استقراراً.

 

كما أن الأزمة لا تقف عند حدود انتقال العمالة بين الشركات، إذ يفضل بعض العاملين مغادرة خطوط الإنتاج نهائياً والعمل في أنشطة غير رسمية توفر دخلاً يومياً أسرع، رغم غياب التأمين والاستقرار الوظيفي.

 

ومن ناحية أخرى، يرى مسؤولو الشركات أن استمرار هذا النقص قد يحول الاستثمارات الجديدة إلى طاقات معطلة، لأن إنشاء المصانع واستيراد المعدات لا يكفيان من دون عمال مدربين قادرين على التشغيل والإنتاج والمحافظة على الجودة.

 

في المقابل، تكشف شهادات القطاع الصناعي أن الفجوة بين احتياجات المصانع ومخرجات المدارس الفنية ما زالت واسعة، رغم الزيادة الكبيرة في أعداد المؤسسات والطلاب والبرامج التي تعلنها الحكومة باعتبارها إنجازاً تعليمياً.

 

علاوة على ذلك، يؤدي ضعف الأجور إلى تسريع حركة العمال بين المصانع، لأن العامل الذي يواجه ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل لا يستطيع انتظار وعود مستقبلية، ويبحث بطبيعة الحال عن دخل يحمي أسرته.

 

 

أجور لا تكفي

 

وبحسب التقديرات، يتراوح متوسط أجور العاملين في أغلب المصانع الخاصة بين 7 و8 آلاف جنيه شهرياً، وهو مستوى لم يعد كافياً للاحتفاظ بالعمالة الفنية في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة.

 

لذلك، تصبح استقالة العامل أو انتقاله قراراً اقتصادياً مفهوماً، لا دليلاً على ضعف الانتماء أو قلة الالتزام، لأن المصنع الذي لا يوفر أجراً عادلاً لا يستطيع مطالبة العامل بتحمل أعباء التضخم وحده.

 

ومن ثم، تحتاج منظومة الأجور والحوافز داخل المصانع إلى مراجعة حقيقية تشمل الراتب والتأمين والنقل والتدريب وفرص الترقي، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة العمال بعد رحيلهم أو اتهام المنافسين بخطفهم دون معالجة الأسباب.

 

غير أن بعض الشركات وصلت إلى تخصيص أفراد أمن لإزالة منشورات توظيف معلقة على جدران مصانعها، بعدما تحولت بوابات المنشآت إلى ساحات مفتوحة لاستقطاب العمال المدربين من الشركات المجاورة باستمرار.

 

وفي هذا السياق، تعكس الواقعة حدة العجز في العمالة الجاهزة، كما تكشف ضعف التنسيق بين المصانع ومؤسسات التدريب، إذ تبحث كل شركة عن حل منفرد بدلاً من بناء قاعدة مهنية واسعة تخدم القطاع كله.

 

إلى جانب ذلك، تمتد الأزمة إلى صناعات السيارات ومكوناتها والمنسوجات والكيماويات والصناعات المغذية والتكميلية وتكنولوجيا المعلومات، ما يعني أن النقص لم يعد مشكلة قطاعية، بل خللاً واسعاً في سوق العمل.

 

وفوق ذلك، يزيد الطلب على العمالة المصرية في أسواق الخليج وأوروبا من صعوبة احتفاظ المصانع المحلية بالكفاءات، خصوصاً عندما تعرض الأسواق الخارجية أجوراً ومزايا لا تستطيع شركات كثيرة داخل مصر مجاراتها.

 

وعليه، تواجه المصانع المحلية ضغطاً مزدوجاً ومتنامياً، يتمثل في منافسة الشركات الأجنبية الجديدة داخل السوق، ومنافسة فرص العمل الخارجية التي تستقطب الفنيين ذوي الخبرة وتترك خطوط الإنتاج أمام نقص متزايد.

 

 

دخل الشارع الأعلى

 

أما دخول شركات عالمية كبرى إلى صناعة الأجهزة المنزلية، فقد رفع الطلب على الفنيين المدربين ودفع الشركات المحلية إلى تحسين بعض الأجور، لكنه كشف أيضاً محدودية المعروض من العمالة المؤهلة.

 

في الوقت نفسه، تظهر أنشطة النقل غير الرسمية كبديل جذاب، إذ يستطيع سائق المركبة الصغيرة تحقيق عائد شهري يتجاوز 13 ألف جنيه، وهو دخل يفوق ما يحصل عليه عامل مصنع في حالات كثيرة.

 

وبصورة أوضح، قد يحقق السائق إيراداً يومياً يتراوح بين 600 و700 جنيه، ثم يحتفظ بصافي يتراوح بين 400 و500 جنيه بعد خصم الوقود ومصاريف الصيانة الدورية والتشغيل اليومية.

 

نتيجة لذلك، لا تبدو مغادرة المصنع إلى قيادة المركبة قراراً عبثياً، بل استجابة مباشرة لفارق الدخل الواضح، حتى لو كان العمل غير رسمي ويفتقر إلى الحماية والتأمين والضمانات طويلة الأجل.

 

فضلاً عن ذلك، تشير تقديرات سابقة إلى أن هذا القطاع يحقق إيرادات شهرية تبلغ نحو 18.8 مليار جنيه، ويضم قرابة 5 ملايين مركبة تخدم حوالي 28 مليون راكب يومياً في 27 محافظة.

 

وبناءً على ذلك، يصبح الاقتصاد غير الرسمي منافساً فعلياً للصناعة في جذب العمالة، لأن العامل يقارن بين دخل يومي متاح فوراً وراتب شهري محدود تستهلكه المواصلات والالتزامات قبل نهاية الشهر.

 

ورغم ذلك، لا يمكن تحميل العامل مسؤولية أزمة صنعتها سياسات أجور ضعيفة وتدريب غير كاف، لأن الاختيار بين مصنع منخفض الدخل وعمل غير رسمي أعلى عائداً هو نتيجة بيئة اقتصادية مختلة.

 

 

مدارس بلا كفاية

 

من جهة التعليم، ارتفع عدد مدارس التعليم الفني في مصر بنسبة 104.1 بالمئة ليصل إلى 3444 مدرسة بنهاية العام المالي 2024 و2025، مقابل 1687 مدرسة خلال العام المالي 2013 و2014.

 

كذلك، تضاعف عدد طلاب التعليم الفني إلى 3 ملايين طالب مقابل 1.5 مليون طالب، لكن هذه الزيادة العددية لم تتحول بالقدر الكافي إلى مهارات عملية تتوافق مع متطلبات المصانع الحديثة.

 

مع ذلك، حققت مدارس التكنولوجيا التطبيقية التي أنشأتها شركات صناعية وشركاء دوليون نتائج أفضل في إعداد العمالة، لكنها ما زالت محدودة العدد والتغطية الفعلية مقارنة بحجم الطلب المتزايد في السوق.

 

وفي ضوء ذلك، أعلنت وزارة التربية والتعليم بدء الدراسة في 7 مدارس لحديد عز للتكنولوجيا التطبيقية خلال العام الدراسي 2026 و2027، ضمن تعاون يجمع الوزارة والشركة وشريكاً صناعياً إيطالياً متخصصاً.

 

أخيراً، لن تنجح مصر في تحويل الاستثمارات إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل مستدامة من دون أجور عادلة وتعليم فني مرتبط بالمصانع، وإلا ستظل الخطط الكبرى محاصرة بعامل يهرب ومصنع يبحث ومدرسة لا تكفي.