وسعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء 22 يوليو ، نطاق عملياتها العسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، بعدما توغلت آلياتها في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وأزاحت علامات الخط الأصفر نحو الغرب، بالتزامن مع استشهاد فلسطيني متأثرا بجراحه، وانتشال 47 شهيدا من تحت أنقاض منزل في حي الصبرة، واعتقال قرابة 40 فلسطينيا خلال حملة واسعة شملت مدنا وبلدات ومخيمات عدة.
وتكشف الوقائع المتزامنة أن اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025 لم يتحول إلى ضمانة حقيقية لحماية المدنيين أو وقف التوسع الميداني الإسرائيلي، إذ يواصل الجيش فرض وقائع جديدة على الأرض، وتوسيع مناطق سيطرته، وقصف الأحياء، ونسف المباني، بينما تستمر عمليات استخراج جثامين ضحايا الحرب من تحت الركام بعد أكثر من عامين ونصف على استشهادهم.
ولا تقتصر الصورة على خرق عسكري محدود أو حادث منفصل، بل تعكس مسارا متكاملا يجمع بين السيطرة على الأرض في غزة، وإبقاء آلاف الجثامين تحت الأنقاض بسبب منع المعدات الثقيلة، وتوسيع حملات الاعتقال في الضفة الغربية، بما يؤكد استمرار سياسة الضغط الشامل على الفلسطينيين رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار.
توغل يتجاوز الخط الأصفر
توغلت آليات عسكرية إسرائيلية، بينها جرافة، مسافة تقدر بنحو 150 مترا قرب دوار دولة جنوب شرقي حي الزيتون، وسط إطلاق نار كثيف وقصف مدفعي وأعمال تجريف واسعة، بحسب شهادات محلية نقلتها وكالة الأناضول.
وقال شهود إن دوي انفجارات عنيفة سمع طوال الليل نتيجة استمرار القصف المدفعي، فيما تحركت الآليات داخل مناطق يفترض أنها تقع خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية وفقا لتفاهمات وقف إطلاق النار المبرمة في أكتوبر 2025.
ولم يقتصر التوغل على تقدم ميداني مؤقت، إذ أفادت مصادر متطابقة بأن الجيش الإسرائيلي أزاح المكعبات الإسمنتية الصفراء التي تحدد الخط الفاصل بين المناطق التي انسحب منها وتلك التي لا يزال يحتلها، ونقلها باتجاه الغرب لتصل إلى محيط دوار دولة على شارع صلاح الدين.
ويمثل هذا التحرك تغييرا فعليا في حدود السيطرة التي حددها الاتفاق، لأن الخط الأصفر لم يكن مجرد علامة ميدانية، بل حاجزا افتراضيا يفترض أن يمنع الجيش الإسرائيلي من التقدم نحو الأحياء التي انسحب منها.
غير أن الجيش الإسرائيلي واصل منذ توقيع الاتفاق توسيع نطاق انتشاره داخل القطاع، حتى ارتفعت نسبة الأراضي الخاضعة لسيطرته من 53 بالمئة إلى 70 بالمئة، وفقا لتصريحات مسؤولين إسرائيليين، وهو ما يكشف أن وقف إطلاق النار استخدم لفرض خرائط جديدة بدلا من إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.
وتشهد منطقة حي الزيتون منذ أيام توغلات متكررة وقصفا مدفعيا وإطلاق نار، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين، بينما تواصل القوات الإسرائيلية التعامل مع المنطقة باعتبارها امتدادا مفتوحا لمواقعها العسكرية.
وفي سياق متصل، أعلن مصدر طبي في مستشفى الشفاء بمدينة غزة وفاة الشاب عبد الله حسان متأثرا بجروح خطيرة أصيب بها خلال قصف إسرائيلي سابق استهدف مركبة مدنية قرب مفترق الغفري في شارع الجلاء وسط المدينة.
كما نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف لمبان ومنشآت فلسطينية داخل مناطق سيطرته شرقي خان يونس، وأطلقت آلياته النار بكثافة تجاه مناطق جنوبي المدينة، في مؤشر إضافي على أن العمليات العسكرية لم تتوقف فعليا رغم سريان الاتفاق.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة، أسفرت الخروقات الإسرائيلية حتى الثلاثاء عن استشهاد 1168 فلسطينيا وإصابة 798 آخرين، وهي حصيلة تكشف أن وقف إطلاق النار ظل اسما بلا حماية فعلية للمدنيين.
وتعود هذه الخروقات إلى سياق حرب بدأت في 8 أكتوبر 2023، وخلفت أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 173 ألف جريح، إلى جانب تدمير نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة.
شهداء تحت الركام
وبينما يواصل الجيش توسيع سيطرته، أعلن الدفاع المدني في قطاع غزة انتشال جثامين ورفات 47 شهيدا من تحت أنقاض منزل عائلة الحساينة في منطقة الصبرة جنوب مدينة غزة، في واحدة من أكثر عمليات الانتشال إيلاما منذ بدء المرحلة الجديدة من البحث.
وقال المشرف التنفيذي لعمليات انتشال الجثامين في الدفاع المدني، العقيد محمد أبو دان، إن الطواقم تمكنت من استخراج 47 جثمانا ورفاتا من منزل واحد، بينما لا يزال البحث جاريا عن 36 جثمانا آخر يعتقد أنها مدفونة تحت الركام.
وأوضح أن فرق الإنقاذ تواجه صعوبات ميدانية كبيرة، من بينها انزياح الجثامين إلى أسفل منازل مجاورة بفعل شدة القصف، ما يفرض توسيع نطاق الحفر والبحث في المباني المحيطة بالموقع المستهدف.
وتعود الجثامين المنتشلة إلى مجزرة حي الصبرة التي وقعت في 23 نوفمبر 2023، عندما استهدفت غارات إسرائيلية مربعا سكنيا يضم منازل لعائلتي الحساينة وأبو شريعة، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 93 فلسطينيا.
وكان من بين الشهداء أكثر من 55 فردا من عائلة الحساينة، غالبيتهم من النساء والأطفال، فيما ظلت جثامينهم مدفونة تحت أطنان من الأنقاض لأكثر من عامين ونصف بسبب الدمار الواسع وتعذر إدخال المعدات الثقيلة.
وتندرج عمليات الانتشال ضمن المرحلة الثانية من برنامج أطلقته المديرية العامة للدفاع المدني في غزة، ويستهدف الوصول إلى نحو 8500 جثمان ورفات ما زالت تحت أنقاض المنازل المدمرة في أنحاء القطاع.
غير أن الأرقام الضخمة تكشف أن انتهاء القصف أو تراجعه لا يعني انتهاء المأساة، لأن آلاف العائلات ما زالت محرومة من معرفة مصير أقاربها أو دفنهم، فيما تتحول المنازل المهدمة إلى مقابر جماعية مغلقة.
ويعمل الدفاع المدني في محافظة غزة بحفار واحد فقط، رغم اتساع مساحات الدمار وتعدد المواقع التي يشتبه في وجود جثامين تحتها، وهو ما يبطئ العمليات ويضاعف معاناة الأسر المنتظرة.
كما خرج عدد كبير من مركبات الدفاع المدني عن الخدمة بسبب الاستهداف والأضرار ونقص قطع الغيار والوقود، بينما يمنع ضعف الإمكانات الطواقم من تنفيذ عمليات بحث متزامنة في المواقع المختلفة.
وتزيد حالة تحلل الجثامين وصعوبة تحديد مواقعها من تعقيد المهمة، خصوصا مع انزياح الرفات بفعل شدة الانفجارات، وانهيار مبان فوق أخرى، وغياب الخرائط الدقيقة للمناطق التي تعرضت للتسوية الكاملة.
وتكشف هذه الوقائع أن الدمار الإسرائيلي لم يستهدف الأحياء السكنية فقط، بل امتد أثره إلى حرمان الضحايا من الدفن، وإجبار عائلاتهم على انتظار سنوات قبل استعادة رفاتهم، في مشهد يلخص عمق الكارثة الإنسانية المستمرة.
اعتقالات تطال النساء والعمال
وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، شنت قوات الاحتلال فجر الأربعاء حملة اعتقالات واسعة طالت قرابة 40 فلسطينيا، بينهم ثلاث سيدات وأسرى محررون و15 عاملا من قطاع غزة، خلال اقتحامات شملت محافظات عدة.
ففي جنين اقتحمت القوات بلدة قباطية جنوب المدينة، وداهمت منازل وفتشتها، قبل أن تعتقل 6 شبان، في إطار حملة متواصلة تستهدف البلدات والمخيمات الشمالية بصورة شبه يومية.
وفي طوباس وبلدة طمون اعتقلت القوات 4 فلسطينيين بينهم سيدتان، فيما شملت الحملة ثلاثة أشقاء من عائلة واحدة، ما يعكس استخدام الاعتقال الجماعي وسيلة للضغط على الأسر والمجتمعات المحلية.
أما في طولكرم، فاقتحمت القوات عدة أحياء وضاحية ارتاح وبلدة فرعون، واعتقلت عددا من المواطنين بينهم أسرى محررون وسيدة، عقب مداهمة المنازل وتفتيشها والعبث بمحتوياتها.
وفي قلقيلية داهمت قوة إسرائيلية منشأة زراعية في حي النقار، واعتقلت 15 عاملا من قطاع غزة بعد الاعتداء عليهم بالضرب المبرح، في واقعة تكشف هشاشة أوضاع العمال الغزيين الموجودين في الضفة.
كما نفذت القوات اعتقالات في بيت لحم والخليل، شملت شبانا من منطقة الدوحة ومخيم عايدة وبلدة تقوع ومخيمي الفوار والعروب، في وقت تتوسع فيه الاقتحامات لتشمل المخيمات والبلدات ومناطق العمل.
وفي القدس المحتلة اعتقلت القوات فلسطينيا وزوجته بعد مداهمة منزلهما في ضاحية الأقباط ببلدة الرام، شمال المدينة، ضمن سياسة تطال العائلات والأزواج إلى جانب الشباب والأسرى المحررين.
وأكد مكتب إعلام الأسرى أن حملات الاعتقال اليومية تأتي ضمن سياسة تصعيد مستمرة، وتترافق مع مداهمات وتفتيش وتخريب للمنازل والاعتداء على المواطنين، ولا تستثني النساء أو العمال أو الأسرى السابقين.
وتشير هذه الممارسات إلى أن الاحتلال يدير الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة للاقتحام والاعتقال، بالتوازي مع فرض وقائع ميدانية جديدة في غزة، ما يجعل الفلسطينيين أمام منظومة واحدة من القمع تتغير أدواتها بين منطقة وأخرى.
وتجمع أحداث الأربعاء بين ثلاثة مشاهد متصلة، آليات تتقدم داخل غزة، وجثامين تنتشل بعد سنوات من تحت الركام، وعشرات الفلسطينيين يساقون إلى الاعتقال في الضفة والقدس، فيما يبقى المجتمع الدولي عاجزا عن فرض حماية فعلية.
ويكشف هذا التزامن أن المشكلة لا تكمن فقط في استمرار الخروقات، بل في غياب أي آلية تضمن تنفيذ الاتفاق أو محاسبة إسرائيل على تغيير خطوط السيطرة وقصف المدنيين ونسف المنشآت ومواصلة الاعتقالات.
ومع ارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى منذ وقف إطلاق النار، واستمرار وجود آلاف الجثامين تحت الأنقاض، واتساع حملات الاعتقال، يبدو أن الفلسطينيين انتقلوا من حرب معلنة إلى استنزاف يومي طويل يحصد الأرواح والأرض والحرية.
ويبقى وقف هذه السياسة مرهونا بضغط دولي يتجاوز بيانات القلق، ويشمل إلزام الاحتلال بالانسحاب من المناطق التي توغل فيها، وفتح الطريق أمام المعدات الثقيلة، وحماية المدنيين، ووقف الاعتقالات والانتهاكات المتواصلة.

