في واحدة من أكثر المشاهد الطبيعية إبهارًا خلال السنوات الأخيرة، نجح فريق من العلماء والمصورين في توثيق أكبر تجمع للحيتان الزعنفية أثناء التغذية تم تسجيله على الإطلاق، حيث ظهرت نحو 300 حوت زعنفي وهي تتغذى في وقت واحد بالقرب من سواحل القارة القطبية الجنوبية "أنتاركتيكا"، في حدث وصفه الباحثون بأنه دليل حي على قدرة الطبيعة على التعافي عندما تتوفر لها الحماية الكافية.

 

ويُعد هذا المشهد غير المسبوق علامة فارقة في تاريخ الدراسات البحرية، خاصة أن الحوت الزعنفي كان قبل عقود قليلة مهددًا بالاختفاء نتيجة حملات الصيد المكثفة التي استهدفته خلال القرن العشرين، قبل أن تبدأ أعداده في التعافي تدريجيًا عقب فرض حظر دولي على صيده.

 

 

ثاني أكبر كائن حي على سطح الأرض


يُصنف الحوت الزعنفي باعتباره ثاني أكبر حيوان يعيش على كوكب الأرض بعد الحوت الأزرق، إذ يصل وزن الفرد الواحد إلى نحو 80 ألف كيلوجرام، بينما يمتد طوله لعشرات الأمتار، ويعتمد في غذائه بشكل أساسي على قشريات صغيرة تعرف باسم "الكريل" إلى جانب العوالق البحرية.

 

ورغم حجمه الهائل، فإن هذا العملاق البحري تعرض خلال القرن الماضي لواحدة من أكبر عمليات الاستنزاف البيئي، بعدما قُتل ما يقرب من 700 ألف حوت زعنفي للحصول على الشحوم والزيوت، وهو ما أدى إلى انخفاض أعداده بصورة حادة ودفعه إلى حافة الانقراض.

 

 

300 حوت في وليمة واحدة.. رقم قياسي جديد


وأكد العلماء أن رصد هذا العدد الكبير من الحيتان وهي تتغذى في مكان واحد يمثل أكبر تجمع موثق لهذا النوع حتى الآن.


وقبل فرض الحظر الدولي على صيد الحيتان عام 1982، كانت أكبر الولائم التي يجري رصدها لا تضم سوى نحو 13 حوتًا فقط، بينما سجل الباحثون في عام 2019 تجمعًا ضم حوالي 150 حوتًا زعنفيًا، وهو الرقم الذي ظل يمثل الرقم القياسي لعدة سنوات قبل أن يتضاعف تقريبًا مع المشاهد الجديدة التي وثقها الفريق البحثي.

 

ويرى الباحثون أن هذه الزيادة الكبيرة في أعداد الحيتان تعكس نجاح برامج الحماية الدولية واستعادة الأنواع البحرية لتوازنها الطبيعي بعد عقود طويلة من الاستنزاف.

 

 

مشهد وصفه المستكشفون بأنه أشبه بالأساطير


وقال مخرج أفلام الحياة البرية والمستكشف لدى ناشيونال جيوغرافيك، بيرتي غريغوري، إن اللحظات الأولى لرؤية هذا العدد الهائل من الحيتان كانت أقرب إلى حلم يصعب تصديقه.

 

وأوضح أن أعمدة المياه المتصاعدة من فتحات تنفس الحيتان كانت تملأ الأفق بالكامل، مضيفًا أن المشهد بدا وكأنه معركة بحرية قديمة تتصاعد خلالها سحب المياه في كل اتجاه، قبل أن يدرك أن ما يراه حقيقة وليس مجرد مشهد خيالي.

 

وأشار إلى أن توثيق هذه الظاهرة استغرق سنوات من العمل الميداني والتخطيط، وتم تصويرها لصالح أحد البرامج الوثائقية المتخصصة في الحياة البرية.

 

 

رحلة شاقة وسط أقسى بيئات العالم


لم يكن الوصول إلى هذا الإنجاز العلمي أمرًا سهلًا، إذ عمل الفريق البحثي في واحدة من أصعب البيئات الطبيعية على سطح الأرض داخل المحيط الجنوبي.

 

وتوجه الباحثون إلى منطقة قريبة من جزيرة إليفانت في أنتاركتيكا، وهي منطقة تشتهر برياحها العنيفة وأحوالها الجوية المتقلبة، ما اضطر الفريق إلى الانتظار لفترات طويلة قبل الحصول على ظروف مناسبة للإبحار والتصوير.

 

وخلال شهر كامل من العمل، لم تتوفر سوى ستة أيام فقط سمحت بخروج القوارب إلى عرض البحر، وهو ما يوضح حجم التحديات التي واجهها العلماء للوصول إلى هذه اللقطات النادرة.

 

 

سر تجمع الحيتان


وأوضح العلماء أن السبب الرئيسي وراء هذا التجمع الضخم يعود إلى الطبيعة الفريدة للمحيط الجنوبي، حيث تصطدم تيارات المياه العميقة بحواف الجرف القاري، ما يؤدي إلى صعود كميات هائلة من المغذيات إلى السطح.

 

وتوفر هذه المغذيات بيئة مثالية لنمو العوالق البحرية، التي تتغذى عليها قشريات "الكريل"، والتي لا يتجاوز طول الواحدة منها خمسة سنتيمترات، لكنها تمثل حجر الأساس في النظام البيئي القطبي.

 

وتستهلك الحيتان الزعنفية أطنانًا من الكريل يوميًا، ولذلك تتجمع بأعداد كبيرة في المناطق التي تشهد وفرة استثنائية لهذه القشريات.

 

 

تصوير من الجو وتحت الماء


ولضمان توثيق المشهد بالكامل، استخدم الفريق أحدث تقنيات التصوير، بما في ذلك الطائرات المسيّرة "درون" لتصوير الحيتان من السماء، إلى جانب غواصين محترفين وثقوا لحظات التغذية من أعماق المحيط.

 

وأظهرت اللقطات مشاهد مبهرة لمئات الحيتان وهي تتحرك في تناغم وسط أسراب الكريل، بينما كانت تحيط بها أعداد هائلة من الطيور البحرية، إضافة إلى حيتان حدباء وحيتان جنوبية وبطاريق وأسماك مختلفة، في لوحة طبيعية متكاملة تعكس ثراء النظام البيئي في المنطقة.