أبقت الحكومة قرار إزالة وإعادة بناء مستشفى سيدي سالم المركزي بمحافظة كفر الشيخ مجمدا منذ عام 2022، ما حرم أكثر من نصف مليون مواطن من خدمة متكاملة وأجبر المرضى على السفر عشرات الكيلومترات للعلاج.

 

سياسيا، يكشف تعطل المشروع كيف تترك السلطة حق المواطنين في العلاج رهينة البيروقراطية والتمويل الغامض، بينما يدفع الفقراء ثمن الانتظار من صحتهم وأموالهم، وقد تتحول المسافة بين المريض والمستشفى إلى فاصلة بين الحياة والموت.

 

قرار معطل منذ سنوات

 

وبداية، صدر قرار رسمي بإزالة مباني مستشفى سيدي سالم المركزي وإعادة بنائها بالكامل خلال عام 2022، بعدما أثبت تدهور حالتها الإنشائية وعجز البنية القديمة عن تلبية الاحتياجات الطبية المتزايدة لسكان المركز وقراه.

 

وفي المقابل، مرت نحو 4 سنوات دون انتهاء أعمال الإزالة أو بدء إنشاء المبنى الجديد، فيما غابت التفسيرات الحكومية الواضحة بشأن أسباب التعطيل، والجهات المسؤولة عنه، والموعد المتوقع لإعادة المشروع إلى مساره.

 

غير أن الأهالي كانوا ينتظرون تطويرا شاملا يرفع قدرة المستشفى على استقبال الحالات، لكن القرار تحول إلى وعد مجمد، بينما استمرت الأزمة الصحية واتسعت الفجوة بين عدد السكان والخدمات الطبية المتاحة داخل المركز.

 

وعلى إثر ذلك، تصاعد الاستياء بين المواطنين الذين لم يعودوا يطالبون بإضافة خدمة جديدة، وإنما بتنفيذ قرار حكومي قائم يتعلق بمرفق أساسي، كان يفترض أن تبدأ أعماله فور اعتماد الإزالة وإعادة البناء.

 

وفي الوقت نفسه، تسبب عدم استكمال الهدم أو بدء الإنشاء في إبقاء المشروع داخل منطقة رمادية، فلا المستشفى القديم عاد قادرا على أداء دوره، ولا المنشأة الجديدة ظهرت لتعويض السكان عن سنوات التراجع.

 

إضافة إلى ذلك، لم تعلن الجهات التنفيذية ما إذا كان التأخير سببه نقص الاعتمادات المالية أو مشكلات الطرح والتعاقد أو معوقات فنية، وهو غموض يمنع المواطنين من معرفة حقيقة المشروع ومحاسبة المسؤولين.

 

وفوق ذلك، أدى الصمت الرسمي إلى اتساع الشكوك بشأن مصير القرار، خاصة مع تكرار الوعود الحكومية بتطوير المنشآت الصحية، دون أن يرى أهالي سيدي سالم معدات أو جدولا زمنيا أو خطوات تنفيذية ملموسة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يمكن فصل تأخر المستشفى عن أزمة توزيع الاستثمارات الصحية بين المدن والمراكز، إذ تحصل مناطق على مشروعات متطورة، بينما تظل تجمعات سكانية كبيرة محرومة من مستشفى قادر على استقبال طوارئها.

 

نتيجة لذلك، أصبح قرار عام 2022 شاهدا على فجوة واسعة بين ما تعلنه الحكومة وما تنفذه، في وقت لا يستطيع المرضى تعليق أمراضهم أو حوادثهم حتى تنتهي الجهات المعنية من خلافاتها وإجراءاتها.

 

رحلة علاج شاقة

 

وبالتزامن، يعاني أكثر من نصف مليون مواطن في مركز ومدينة سيدي سالم والقرى المحيطة من ضعف الخدمات المتاحة، بعدما فقدوا وجود مستشفى مركزي يقدم أقساما متكاملة للطوارئ والجراحة والعناية والفحوص الأساسية.

 

وبحسب شكاوى الأهالي، يضطر المرضى وأصحاب الحالات الحرجة والمصابون في حوادث الطرق إلى الانتقال نحو مستشفى كفر الشيخ العام أو المستشفيات الجامعية، للحصول على خدمات كان يفترض توافرها داخل مركزهم.

 

كذلك، تتجاوز الرحلة عشرات الكيلومترات في بعض القرى، ما يهدر وقتا حاسما عند التعامل مع النزيف والجلطات وإصابات الحوادث وحالات الأطفال، حيث يمثل الوصول السريع إلى الرعاية عاملا أساسيا في إنقاذ المريض.

 

ولهذا، لا يمكن التعامل مع المستشفى باعتباره مشروعا إنشائيا قابلا للتأجيل، لأن كل يوم من التعطيل يعني استمرار نقل الحالات الخطرة عبر طرق طويلة، بما يرفع احتمالات تدهورها قبل الوصول إلى الطبيب.

 

علاوة على ذلك، تتحمل الأسر نفقات الانتقال والفحوص والإقامة وشراء الأدوية خارج المركز، وقد تضطر إلى استخدام سيارات خاصة أو الاستدانة لتوفير العلاج، في ظل ضعف الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة اليومية.

 

وبناء على ذلك، يصبح التأخير عبئا مضاعفا على الفقراء، إذ تحرمهم الدولة من المرفق العام ثم تدفعهم نحو مستشفيات بعيدة أو منشآت خاصة، حيث تتحول الرعاية الصحية إلى فاتورة تفوق قدراتهم المالية.

 

ومن ثم، تمتد المعاناة إلى ذوي المرضى الذين يرافقونهم خارج المركز، ويتغيبون عن أعمالهم أو دراستهم، بينما تواجه الأسر صعوبة في المتابعة اليومية للحالات المحجوزة داخل مستشفيات بعيدة عن مساكنها.

 

في غضون ذلك، يزداد الخطر مع حوادث الطرق والطوارئ الليلية، عندما تتراجع وسائل النقل ويصبح الوصول إلى مستشفى خارج سيدي سالم أكثر صعوبة، خصوصا للقرى النائية التي تعاني أصلا ضعف شبكات المواصلات.

 

وعليه، يرتبط إنشاء المستشفى بحق دستوري مباشر في الرعاية الصحية، ولا يجوز اختزاله في معاملات إدارية، لأن استمرار غياب الخدمة يضع حياة المواطنين تحت رحمة المسافة والوقت والقدرة على دفع التكاليف.

 

طلب للمحاسبة والإنجاز

 

في المقابل، تقدم النائب توفيق إبراهيم علي بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة ومحافظ كفر الشيخ، مطالبا بالكشف عن أسباب عدم تنفيذ قرار الإزالة وإعادة البناء الصادر منذ عام 2022.

 

ووفقا لطلب الإحاطة، أدى توقف المشروع إلى استمرار معاناة أكثر من نصف مليون مواطن، رغم أهمية المستشفى في خدمة المركز والمدينة والقرى، وضرورة توفير الرعاية للحالات الحرجة دون نقلها إلى خارج سيدي سالم.

 

مع ذلك، لا تكفي إحالة الأزمة إلى البرلمان إذا انتهت المناقشات دون التزام حكومي محدد، فقد اعتاد المواطنون سماع الوعود، بينما تظل المشروعات متوقفة بين المخاطبات واللجان وانتظار التمويل والموافقات.

 

أما المطلب العاجل، فيتمثل في إنهاء أعمال الهدم وبدء البناء فور إزالة المعوقات الإدارية والفنية والمالية، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل مرحلة، حتى لا تتوزع المسؤولية بين الوزارة والمحافظة والجهات المنفذة.

 

كما طالب النائب بإعلان جدول زمني واضح لمراحل المشروع وموعد الانتهاء منه، بما يسمح للأهالي والبرلمان بمتابعة التنفيذ، ويمنع تكرار التأجيل المفتوح الذي صاحب القرار طوال السنوات الماضية دون نتيجة.

 

في سياق مواز، يعود تاريخ المستشفى إلى عقود مضت، حين أنشئ لخدمة سكان سيدي سالم وقراها، قبل أن تتزايد أعداد المواطنين وتتضاعف الاحتياجات بما تجاوز إمكانات المبنى القديم وأقسامه المحدودة.

 

ولزيادة طاقته، وافقت وزارة الصحة عام 2016 على تحويله من مستشفى مركزي إلى مستشفى عام، بهدف توسيع التخصصات وتحسين مستوى الخدمة، إلا أن تهالك الجدران والبنية التحتية عطل تحقيق هذا الهدف.

 

لذلك، لم تمنع أعمال دعم العناية المركزة وأقسام الغسيل الكلوي من تدهور المبنى، حتى صدر قرار الإزالة الكاملة عام 2022، لكن عدم التنفيذ أبقى السكان بلا بديل يوازي حجم احتياجاتهم الصحية.

وأخيرا، يحتاج أهالي سيدي سالم إلى مستشفى يعمل لا قرار محفوظ في الأدراج، وإلى موعد ملزم لا وعود جديدة، فحق نصف مليون مواطن في العلاج لا يحتمل عاما آخر من التعطيل والغموض.