رصدت هيئة مياه ولاية الخرطوم انحسارًا مفاجئًا في منسوب النيل أدى إلى ابتعاد المياه عن مأخذ محطة شمال بحري، وتشغيل مضختين عاليتَي الضغط، بعد امتداد التراجع من الخرطوم إلى نهر النيل والولاية الشمالية.
ويكشف المشهد عجزًا سياسيًا خطيرًا، فبينما تتحكم إثيوبيا منفردة في سد ضخم على شريان حياة السودان ومصر، تكتفي الحكومتان بالمراقبة والبيانات، ويدفع المواطن ثمن الغموض في مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي.
وبالتالي، فإن ظهور الضفاف والرمال داخل مجرى النهر ليس مجرد صورة موسمية، بل إنذار عملي بأن إدارة المياه أصبحت رهينة قرارات تشغيل لا تعرف دولتا المصب توقيتها أو كمياتها أو آثارها المباشرة.
كما أن تراجع المياه بنحو 15 مترًا في البجراوية، وظهور ألسنة رملية قرب جزيرة أرنتي، يؤكدان اتساع الظاهرة جغرافيًا فعليًا، ويمنعان اختزالها في عطل محلي بمحطة مياه أو مأخذ واحد.
السودان يطلق الإنذار
بدأ الانحسار يتزامن مع مطلع موسم الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية، وهي الفترة التي يرتفع خلالها عادة إيراد النيل الأزرق، ما ضاعف الشكوك بشأن تأثير حجز المياه وتشغيل توربينات سد النهضة.
ولزيادة وضوح الصورة، قال وزير الري السوداني الأسبق عثمان التوم إن السد غيّر نمط تدفقات النيل الأزرق، وإن إثيوبيا تحجز المياه حاليًا بينما تمرر كميات محدودة تكفي لتشغيل عدد من التوربينات.
لذلك، لم تعد المشكلة مقتصرة على كمية المياه السنوية، بل أصبحت مرتبطة بتوقيت وصولها وسرعة إطلاقها، لأن أي اضطراب مفاجئ يربك محطات الشرب والري وتشغيل السدود السودانية الواقعة خلف المنشأة الإثيوبية.
ومن ثم، فإن السودان يمثل جهاز الإنذار المبكر لمصر، فما يظهر اليوم في بحري والبجراوية وعبري قد يصل أثره لاحقًا إلى بحيرة ناصر، خصوصًا إذا تزامن الحجز الإثيوبي مع موسم أمطار ضعيف.
غير أن الباحث الفاتح يس يرى احتمال ارتباط الانخفاض بالدورة الطبيعية للنهر خلال يوليو وأغسطس، لكنه لا يستبعد تأثير تشغيل السدود، وهو تفسير يفرض انتظار تطورات الفيضان دون تجاهل الإشارة الخطرة الحالية.
علاوة على ذلك، فإن غياب بيان فني سوداني شامل يحدد التصرفات اليومية ومناسيب المحطات وكميات المياه الواردة يترك المواطنين أمام التكهنات، ويمنح إثيوبيا مساحة إضافية لإدارة السد بلا رقابة مشتركة أو مساءلة.
مصر أمام ضغط مائي
وتعتمد مصر على نهر النيل في نحو 98 بالمئة من مواردها المائية، وتحصل وفق الاتفاقات القائمة على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، رغم عجز مائي متزايد وضغوط سكانية وزراعية شديدة.
وبناءً على ذلك، فإن أي تراجع ممتد في تدفقات النيل الأزرق لا يبقى أزمة سودانية، بل يتحول إلى ضغط مباشر على المخزون المصري، وعلى قدرة السد العالي على موازنة سنوات الجفاف والتقلبات المفاجئة.
وفي السياق نفسه، طورت القاهرة إجراءات متابعة إيراد النهر وقدرات السد العالي تحسبًا للسيناريوهات الصيفية، بما يكشف أن الخطر لم يعد افتراضًا سياسيًا بل احتمالًا تشغيليًا تتعامل معه المؤسسات المصرية فعليًا.
وفوق ذلك، يهدد انخفاض الوارد المائي بتقليص المساحات المزروعة وزيادة الاعتماد على إعادة استخدام المياه، ورفع كلفة إنتاج الغذاء، في بلد يستورد جانبًا كبيرًا من احتياجاته ويواجه تضخمًا يرهق المواطنين.
وعليه، قد يظهر الأثر المصري أولًا في تشديد جداول الري وتقليل المياه لبعض الزراعات، ثم يمتد إلى زيادة ملوحة أراضي الدلتا إذا تراجعت كميات المياه العذبة القادرة على مواجهة تقدم مياه البحر.
ومع ذلك، لا يعني الانحسار الحالي وحده أن مصر دخلت أزمة فورية، لأن بحيرة ناصر توفر احتياطيًا منظمًا، لكن استمرار الحجز أو تكرار التذبذب قد يستنزف هذا الهامش ويضعف الحماية المستقبلية.
إضافة إلى ذلك، فإن التحكم الإثيوبي في توقيتات التخزين والتصريف يمنح أديس أبابا قدرة غير مسبوقة على التأثير في النهر، حتى إذا لم تنقص الحصة السنوية حسابيًا، لأن التوقيت قد يكون مساويًا للكمية أهمية.
ومن ناحية أخرى، أظهرت فيضانات سابقة أن الخطر يعمل في الاتجاهين، فالتصريف المفاجئ قد يغرق أراضي السودان ويضغط على مصر، بينما يؤدي الحجز المطول إلى العطش وتعطل المحطات وتراجع الري.
فشل السياسة المائية
تحذر القاهرة منذ سنوات من التشغيل الأحادي لسد النهضة، وتطالب باتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات، لكن المفاوضات تعثرت بينما واصلت إثيوبيا فرض الوقائع وتوسيع سيطرتها على النهر.
وفي المقابل، لم تنجح السياسة المصرية في تحويل التحذيرات إلى ضمانات عملية، رغم مرور أكثر من عقد على الأزمة، ما ترك الأمن المائي معلقًا بين تصريحات رسمية ومفاوضات منقطعة وإجراءات إثيوبية أحادية.
ثم إن الحرب السودانية أضعفت قدرة الخرطوم على المراقبة والتفاوض والتنسيق، وجعلت منشآت المياه والزراعة أكثر هشاشة، بينما تحتاج مصر إلى شريك سوداني قوي يستطيع قياس التدفقات وتبادل البيانات والدفاع عن مصالح المصب.
أما إثيوبيا، فتستفيد من الانقسام بين دولتي المصب ومن غياب آلية إلزامية، وتقدم السد باعتباره مشروعًا تنمويًا، لكنها ترفض منح مصر والسودان ضمانات تشغيل تحول دون الإضرار بالمياه أو تعريض السكان للمفاجآت.
وبصورة أوسع، يثبت انحسار النيل أن الأمن المائي لا يمكن حمايته بالبيانات المطمئنة وحدها، بل يحتاج إلى معلومات يومية موثقة وخطط طوارئ مشتركة وقدرة سياسية على فرض قواعد عادلة لتشغيل السد.
كذلك، يتطلب الخطر مراجعة مصرية لسياسات الزراعة والإهدار وتبطين الترع ومعالجة المياه، لكن هذه الإجراءات الداخلية لا تعفي النظام من مسؤوليته عن منع دولة المنبع من التحكم المنفرد في مورد وجودي.
وفي الوقت ذاته، يحتاج المواطن إلى شفافية تشرح حجم المخزون ومعدلات الوارد وخطط مواجهة الجفاف، بدل ترك الملف حكرًا على التصريحات السيادية، لأن أي نقص سيدفع ثمنه الفلاح والأسرة وسوق الغذاء.
وأخيرًا، يمثل ما جرى في السودان إنذارًا مبكرًا لمصر بأن سد النهضة غيّر قواعد النهر، وأن التأخر في الوصول إلى اتفاق ملزم يجعل كل موسم أمطار اختبارًا جديدًا لمياه الشرب والزراعة والاستقرار.
وفي المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الانحسار الحالي مقدمة لعطش مصري، لكن تجاهله سيكون مغامرة، لأن شريان حياة أكثر من 100 مليون مصري أصبح مرتبطًا بقرارات إثيوبية لا تخضع لاتفاق أو رقابة مشتركة.

