ارتفعت حصيلة تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى 648 وفاة من بين 1830 إصابة مؤكدة، وفق أحدث بيانات حكومية غطت الوضع الوبائي حتى الخميس، في قفزة جديدة تعكس استمرار انتقال العدوى بسرعة وعجز عمليات الرصد والعلاج عن ملاحقة التوسع الجغرافي للمرض. ولم تعد الأزمة محصورة في بؤرتها الأولى شرقي البلاد، بعدما اتسعت المناطق المتضررة وظهرت إصابات مرتبطة بالكونغو في أوغندا، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام الرسمية قد تمثل جزءا فقط من الحجم الحقيقي للوباء.
وتأتي الحصيلة الجديدة بعد تسجيل 625 وفاة و1792 إصابة مؤكدة حتى 8 يوليو 2026، ما يعني إضافة 23 وفاة و38 إصابة خلال يوم واحد. وتخشى الجهات الصحية أن تكون الزيادة الفعلية أكبر، بسبب ضعف المراقبة في المناطق الريفية، وصعوبة الوصول إلى المجتمعات المتضررة، واستمرار الصراعات المسلحة والنزوح الواسع في شرق الكونغو. كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن العدد الحقيقي للمصابين قد يتجاوز الأرقام الرسمية بما يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف، نتيجة وجود انتقال مجتمعي غير مكتشف.
تفش سريع ورصد متأخر
بدأت الأزمة الحالية رسميا في 15 مايو 2026، عندما أعلنت السلطات الكونغولية تفشي المرض بعد تأكيد إصابات ناجمة عن فيروس بونديبوجيو، وهو أحد أنواع الفيروسات المسببة لمرض إيبولا. وكانت الحالات الأولى قد ظهرت في مناطق بونيا وروامبارا ومونغبالو بمقاطعة إيتوري، قبل أن تمتد العدوى إلى شمال كيفو وجنوب كيفو وتشوبو ومناطق أخرى. وتعد هذه الموجة التفشي السابع عشر الذي تسجله الكونغو منذ اكتشاف الفيروس عام 1976.
وأعلن وزير الصحة الكونغولي روجيه كامبا توسيع قائمة المقاطعات المتضررة رسميا لتشمل تشوبو وهوت أويل في شمال البلاد وشمالها الشرقي. وتكتسب إضافة تشوبو أهمية خاصة بسبب تسجيل حالات مشتبه بها في مدينة كيسانغاني، وهي مركز حضري وتجاري كبير يرتبط بطرق نقل داخلية وممرات نهرية يمكن أن تسهل انتقال المصابين إلى مناطق بعيدة عن البؤرة الأصلية. كما أثارت إحدى الحالات القلق لعدم العثور على صلة جغرافية واضحة تربطها بالمناطق المعروفة لانتشار العدوى.
وتتركز نحو 90% من الإصابات في مقاطعة إيتوري، ولا سيما في بونيا وروامبارا ومونغبالو ونياكوندي. إلا أن مسؤولا بارزا في منظمة الصحة العالمية حذر من أن أربعة من كل خمسة مرضى جدد في بعض المناطق لا تربطهم علاقة معروفة بحالات مسجلة سابقا، وهو مؤشر خطير على وجود سلاسل انتقال خفية داخل المجتمعات المحلية وعدم قدرة فرق التقصي على تحديد مصادر العدوى ومخالطي المصابين.
وتزداد الأزمة تعقيدا لأن فيروس بونديبوجيو قد يؤدي لدى بعض المصابين إلى أعراض أقل وضوحا في المراحل المبكرة، ما يدفعهم إلى تأخير طلب العلاج أو البقاء داخل المنازل. ويسمح ذلك باستمرار مخالطة أفراد الأسرة والجيران ونقل العدوى قبل دخول مراكز العزل. وأظهرت البيانات المبكرة أن نسبة كبيرة من الوفيات حدثت خارج المنشآت العلاجية، الأمر الذي يزيد احتمالات انتقال الفيروس خلال الرعاية المنزلية أو مراسم دفن المتوفين.
وباء إقليمي تحت الطوارئ
لم يبق التفشي داخل الحدود الكونغولية، إذ سجلت أوغندا حالات مستوردة وحالات انتقال ثانوي بين المخالطين والعاملين الصحيين. وحتى 2 يوليو، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل 20 إصابة مؤكدة في أوغندا، بينها 15 حالة وافدة وخمس إصابات ثانوية، إضافة إلى وفيات مؤكدة ومحتملة. ورغم عدم تسجيل حالات جديدة هناك منذ 21 يونيو، فإن خطر عودة الانتقال يظل قائما بسبب الحركة اليومية المكثفة عبر الحدود.
وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية قد أعلن في 17 مايو أن تفشي إيبولا في الكونغو وأوغندا يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا، وهو أعلى مستوى إنذار يمكن للمنظمة إعلانه. وجاء القرار بسبب سرعة انتشار المرض، والانتقال عبر الحدود، وضعف البنية الصحية، وكثافة التحركات السكانية والتجارية، إلى جانب وقوع البؤر الرئيسية داخل مناطق تعاني النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية.
ولا يعني إعلان الطوارئ أن الفيروس انتشر في قارات متعددة، لكنه يؤكد وجود خطر يستدعي استجابة دولية منسقة لمنع تحوله إلى وباء واسع. وحتى الآن، يظل الانتشار المؤكد متركزا في الكونغو وأوغندا، مع رفع المراقبة في الدول المجاورة، خصوصا جنوب السودان ورواندا وبوروندي وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تشكل الحدود البرية الطويلة والمعابر غير الرسمية تحديا لعمليات فحص المسافرين وتتبع المخالطين.
كما رفعت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض مستوى استجابتها للوباء إلى أعلى درجاته، مع تأكيدها أن خطر انتقال العدوى على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة لا يزال منخفضا. وفي 11 يوليو، أعلنت إصابة مواطن أمريكي يعمل لدى منظمة إنسانية داخل الكونغو، وبدأت السلطات الأمريكية بالتعاون مع جهة عمله والشركاء الكونغوليين تحديد الأشخاص الذين خالطوه ومنع انتقال العدوى منهم.
وينتقل إيبولا عبر الاتصال المباشر بدم المصاب أو إفرازاته وسوائل جسمه، أو الأدوات والأسطح الملوثة بها، كما يمكن أن ينتقل خلال التعامل مع حيوانات برية مصابة. ولا ينتشر الفيروس بالطريقة نفسها التي تنتشر بها أمراض الجهاز التنفسي، ولذلك تعتمد مكافحته أساسا على الكشف المبكر، والعزل، واستخدام معدات الوقاية، وتتبع المخالطين، وإجراء عمليات دفن آمنة. وتتراوح فترة حضانته بين يومين و21 يوما.
صراع ونقص تمويل وعلاج
يواجه التصدي للوباء عقبات تتجاوز خصائص الفيروس، إذ تقع بؤره الرئيسية في مناطق تعاني نشاط جماعات مسلحة، ونزوح ملايين المدنيين، وضعف شبكات الطرق والمستشفيات. وفي مخيمات النزوح المكتظة، تتشارك آلاف الأسر مصادر المياه ودورات المياه المحدودة، بينما يصعب عزل الحالات المشتبه بها أو متابعة جميع المخالطين، ما يخلق بيئة مواتية للانتقال السريع.
كما هدد عاملون في مراكز مكافحة إيبولا بالإضراب احتجاجا على تأخر صرف أجورهم ونقص المستلزمات وضعف التعويضات المالية، ونظم بعضهم احتجاجات أمام مراكز علاج في بونيا. واعترف وزير الصحة بوجود مشكلات في قوائم العاملين وإجراءات الدفع، فيما خصص المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض مليوني دولار لدعم الاستجابة وتسريع مستحقات الفرق العاملة.
ويمثل نوع بونديبوجيو تحديا إضافيا، لأنه لا يوجد حتى الآن لقاح أو علاج نوعي معتمد خصيصا لمواجهته، بخلاف فيروس زائير الذي تتوافر ضده لقاحات وعلاجات أثبتت فعاليتها. وبدأت تجارب سريرية واختبارات لمرشحات علاجية ولقاحات محتملة، لكن الرعاية الحالية تعتمد بصورة أساسية على تعويض السوائل والأملاح، ودعم وظائف الجسم، وعلاج المضاعفات والعدوى المصاحبة.
وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية في يوليو أول اختبار تشخيصي لفيروس بونديبوجيو ضمن قائمة الاستخدامات الطارئة، بهدف توسيع القدرة على الفحص وتسريع اكتشاف الحالات. غير أن فعالية الاختبار ستظل مرتبطة بإمكانية وصول الفرق الطبية إلى القرى والمخيمات، وتوافر المختبرات والطواقم المدربة، واستعداد السكان للإبلاغ عن الأعراض وقبول إجراءات العزل والدفن الآمن.
وتعيد الأزمة إلى الأذهان وباء غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، الذي انتقل من غينيا إلى ليبيريا وسيراليون وسجل أكبر عدد

