سلط تقرير نشره موقع دويتشه فيله الألماني الضوء على اتساع رقعة الفقر في مصر، محذرًا من أن التحول التدريجي من دعم السلع التموينية إلى الدعم النقدي قد يحمل مخاطر حقيقية على ملايين الأسر محدودة الدخل إذا لم يُنفذ وفق آليات دقيقة وعادلة. وأكد التقرير أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة دفعا شرائح جديدة إلى دائرة الفقر، في وقت يعتمد فيه عشرات الملايين على منظومة الدعم الحكومي لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والخبز.
الفقر في الشوارع
رأى التقرير أن مظاهر الفقر أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في المدن المصرية، خاصة في العاصمة القاهرة، حيث تنتشر النساء والأطفال أمام المتاجر والمطاعم وعند إشارات المرور لبيع المناديل الورقية أو بعض السلع البسيطة في محاولة لتوفير دخل يساعد أسرهم على مواجهة أعباء الحياة.
وأشار إلى أن هؤلاء لا يلجؤون في كثير من الأحيان إلى التسول المباشر، وإنما يحاولون بيع منتجات زهيدة الثمن، لأن هذا الدخل المحدود أصبح بالنسبة لعدد كبير من الأسر وسيلة ضرورية للبقاء في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وأكد التقرير أن الفقر يعد أحد أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه مصر، موضحًا أن ملايين المواطنين يعتمدون بصورة أساسية على منظومة الدعم الحكومي للحصول على الخبز والسلع الغذائية بأسعار مدعومة، وهو ما يجعل أي تغيير في هذه المنظومة قضية تمس الأمن المعيشي لشريحة واسعة من السكان.
وأضاف أن نظام الدعم الحالي يستفيد منه أكثر من 65 مليون مواطن من خلال توفير الخبز والمواد الغذائية المدعومة، إلى جانب صور أخرى من الدعم المرتبط بالطاقة، إلا أن الحكومة تتجه تدريجيًا إلى استبدال جزء من هذا النظام بتحويلات نقدية مباشرة.
التحول للدعم النقدي
أوضح التقرير أن الحكومة المصرية تخطط لأن يحصل المستحقون مستقبلًا على مساعدات مالية مباشرة عبر برنامجي **"تكافل"** و**"كرامة"** بدلًا من الاعتماد على منظومة الدعم العيني بصورة تدريجية، في إطار ما تعتبره إصلاحًا يستهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وأشار إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم من مؤسسات التمويل الدولية، إذ ساهم البنك الدولي في إنشاء وتمويل برنامجي "تكافل" و"كرامة"، بينما يدعم صندوق النقد الدولي منذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 فكرة التحول التدريجي من الدعم الشامل إلى الدعم الموجه، مع تأكيده في الوقت نفسه على أهمية استمرار دعم السلع الغذائية خلال مراحل التنفيذ.
ورغم ذلك، نقل التقرير عن الخبيرة الاقتصادية سراء أحمد أن القضية الأساسية لا تتعلق بفكرة الدعم النقدي نفسها، وإنما بطريقة تنفيذها على أرض الواقع، معتبرة أن نجاح التجربة يعتمد على قدرة الحكومة على إدارة عملية الانتقال دون الإضرار بالأسر الأكثر احتياجًا.
وأضافت أن الخطر يكمن في سرعة رفع أسعار السلع التي كانت تحصل عليها الأسر بأسعار مدعومة، إذ إن الانتقال السريع إلى أسعار السوق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة تعجز معها الأسر الفقيرة عن توفير احتياجاتها الأساسية، حتى مع حصولها على دعم نقدي.
كما لفت التقرير إلى أن قيمة المساعدات النقدية تحتاج إلى مراجعة مستمرة لمواكبة معدلات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء، حتى لا تتآكل قيمتها الشرائية بمرور الوقت، وهو ما قد يفقدها الهدف الذي أنشئت من أجله.
مخاوف من الاستبعاد
أبرز التقرير أن أكثر ما يثير القلق في عملية التحول إلى الدعم النقدي هو إمكانية استبعاد مستحقين فعليين بسبب أخطاء قواعد البيانات أو معايير الاستحقاق، وهو ما قد يحرم ملايين المواطنين من أي وسيلة دعم.
وأوضح أن الإعانات الشاملة قد تسمح أحيانًا بوصول الدعم إلى بعض غير المستحقين، إلا أن هذه المشكلة تظل أقل خطورة من استبعاد الأسر الفقيرة التي تعتمد بشكل كامل على الدعم الحكومي لتوفير الغذاء.
وأشار إلى أن برنامج "تكافل" و"كرامة" يغطي حاليًا أكثر من خمسة ملايين أسرة، أي ما يقارب 20 مليون مواطن وفق آلية احتساب أربعة أفراد لكل أسرة، بينما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 33 مليون مصري كانوا يعيشون تحت خط الفقر الوطني عام 2021.
وأضاف التقرير أن الحكومة لم تنشر خلال السنوات الأخيرة بيانات رسمية محدثة بشأن معدلات الفقر، إلا أن استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار يدفع العديد من المراقبين إلى الاعتقاد بأن أعداد المحتاجين إلى الدعم أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل سنوات.
ورأى التقرير أن أي إصلاح لمنظومة الدعم يجب أن يوازن بين ترشيد الإنفاق العام وضمان عدم حرمان الفئات الأكثر هشاشة من وسائل الحماية الاجتماعية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تعيشها الأسر المصرية.
كما أشار إلى أن نجاح منظومة الدعم النقدي لن يقاس فقط بحجم الأموال التي توفرها الدولة، وإنما بقدرتها على الوصول إلى جميع المستحقين دون أخطاء، وبما يحافظ على الحد الأدنى من الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن الحكومة المصرية تسعى إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم بما يقلل من أعباء الإنفاق العام، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديًا يتمثل في الحفاظ على شبكة أمان اجتماعي قادرة على حماية ملايين المواطنين من تداعيات الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة، محذرًا من أن أي خلل في تنفيذ هذا التحول قد يترك الفئات الأشد احتياجًا دون حماية في مرحلة تشهد ضغوطًا اقتصادية متزايدة.

