محمد جمال عرفة

كاتب صحافي مصري

 

يوم 2 يوليو الجاري، نُشر خبر غريب يقول إن الولايات المتحدة استأنفت إرسال شحنات الدولار النقدي التي تقوم بنوكها بتحصيلها من بيع النفط العراقي إلى بغداد بعدما علقتها لعدة أشهر للضغط على الحكومة العراقية كي تتوقف عن دعم إيران (عبر فصائل عسكرية شيعية)، وحتى تحقق في ملفات فساد داخل قطاع النفط.

 

طرح هذا الخبر تساؤلات حول معنى استئناف إدارة البيت الأبيض إرسال عائدات النفط العراقي إلى بغداد، وهل يعني ذلك أن أميركا لا تزال تسيطر على نفط العراق وأمواله منذ حرب الخليج؟

 

الوقائع المُعلنة تشير إلى أن واشنطن أوقفت منذ عام 2011 السيطرة على نفط العراق، الذي وضعت يدها عليه عقب غزو بغداد وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين في العام 2003، حين انتهى العمل بما يُسمى "صندوق تنمية العراق"، لكن "الأمر الواقع" يشير إلى أن أميركا لا تزال تتحكم في نفط العراق بسيطرتها على عائداته الدولارية التي تذهب لها منذ حرب العراق عام 2003. ففي أعقاب سقوط نظام صدام، واجهت قوات الاحتلال الأميركي والبريطاني سؤالًا أساسيًا: من يدير مليارات الدولارات الناتجة من صادرات النفط العراقي؟

 

وفي 22 مايو 2003، أصدر مجلس الأمن قرارا بإنشاء صندوق تنمية العراق (DFI) ليكون الوعاء المالي الرسمي لعائدات الدولة العراقية، بحيث تُودع فيه جميع الإيرادات الناتجة من بيع نفط العراق والأموال العراقية المجمدة في الخارج التي أُفرج عنها.

 

وقد تولى نظام الحكم في بغداد الذي رأسه حاكم العراق العسكري بول بريمر الإشراف والسيطرة على إدارة الصندوق في البداية، وكانت الأموال تُحفظ في حساب لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي " البنك المركزي الأميركي"، لأن معظم تجارة النفط العالمية تُسوى بالدولار، بحيث يدفع المشترون ثمن النفط بالدولار وتُحوَّل الأموال إلى حساب صندوق تنمية العراق في الاحتياطي الفيدرالي، لكن الصندوق تعرض لانتقادات واسعة من هيئات رقابية دولية، لضعف الشفافية في إدارة مليارات الدولارات من قبل التحالف الأميركي الذي احتل العراق في فترة ما بعد 2003، وعدم وجود سجلات لبعض النفقات، ومنح عقود إعادة إعمار دون منافسة، وصعوبة تتبع كيفية إنفاق الأموال.

 

وفي عام 2010، تم إغلاق صندوق تنمية العراق رسميًا، وانتقلت آلية إيداع عائدات النفط إلى حساب باسم البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في نيويورك. ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك "صندوق تنمية العراق"، لكن بقيت عائدات النفط تمر عبر الحساب الأميركي وتتحكم فيها حكومات الأبيض الأبيض المختلفة. أي أن أميركا ظلت تمتلك النفط العراقي من الناحية العملية، لا من الناحية القانونية، لكن عائداته كانت تُدار من خلال آلية مالية أنشأها مجلس الأمن أثناء الاحتلال، وكانت الأموال مودعة في النظام المصرفي الأميركي وتخضع لإدارته الفنية ورقابته.

 

والولايات المتحدة ما زالت تملك نفوذًا مهمًا على تدفق عائدات النفط العراقية المقومة بالدولار، بسبب مرورها عبر حسابات البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وخضوعها لقواعد النظام المالي الأميركي. ولهذا فإن أي إعلان عن "استئناف إرسال عائدات النفط إلى بغداد" يعني استئناف تحويل الأموال العراقية المحتفظ بها في ذلك الحساب إلى الحكومة العراقية، ويذكرنا بأن الولايات المتحدة لا تزال تسيطر فعليا على النفط وأمواله، بدليل أنها منعت تحويل أموال نفط العراقي، المودعة في بنكها الفيدرالي، لحكومة العراق للضغط عليها كي تتوقف عن مساندة إيران خلال الحرب مع أميركا، وتشترط عليها أن تقوم بإصلاحات مالية وإسناد المزيد من الأعمال لشركات النفط الأميركية. وهو ما يعني أن واشنطن تمتلك نفوذًا ماليًا كبيرًا على تدفق عائدات النفط العراقية بسبب النظام المالي الذي أُنشئ بعد غزو العراق عام 2003، ثم تطور لاحقًا.

 

كيف بدأت السيطرة على النفط؟

 

بدأت السيطرة على عائدات النفط العراقية عقب الغزو الأميركي واحتلال البلاد والسيطرة على اقتصادها، وخاصة عائدات النفط والذهب وغيرها. كان قرار إنشاء مجلس الأمن (بطلب أميركي) لما سُمي (صندوق تنمية العراق) وجعل مقره وحساباته داخل البنك الفيدرالي الأميركي، مجرد غطاء للسيطرة الفعلية والتحكم في جميع إيرادات صادرات النفط والغاز العراقي في بحجة إعادة إعمار العراق.

 

وكان قرار الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بتوفير حماية قانونية للأموال والأصول النفطية العراقية الموجودة في الولايات المتحدة من الدعاوى والحجز بحجة منع الدائنين من الاستيلاء على عائدات النفط العراقية، مؤشر على هذه السيطرة الأميركية الكاملة على عوائد النفط العراقية، لأن الأموال كانت تذهب إلى الولايات المتحدة بحجة أن مبيعات النفط العراقية تتم بالدولار، وبحكم هيمنة الدولار على تجارة النفط والغاز العالمية، ويتحكم فيها البنك الفيدرالي الأميركي.

 

ولأن الأموال تمر عبر النظام المالي الأميركي، فقد منح هذا واشنطن قدرة كبيرة على مراقبة حركة الأموال والتحكم فيها ومنع تحويلها للعراق رغم أنها أموال الدولة العراقية، وذلك في نوع من الضغط على العراقيين لتنفيذ مطالب أميركية تتعلق بالتبعية والسير وفق الإملاءات الأميركية حتي بعدما انتهى العمل بصندوق تنمية العراق في عام2011، وفتحت حكومة العراق حسابًا خاصًا بها للبنك المركزي العراقي، إذ ظلت الأموال في واشنطن، لا في بغداد ويتم تحويلها بالقطارة والتحكم فيها.

 

صحيح أن وزارة النفط العراقية باتت هي التي تبيع النفط، وأن المشترين يحولون الأموال إلى حساب البنك المركزي العراقي في نيويورك ثم تحول الأموال إلى بغداد، لكن هذه الأموال بقيت تمر عبر النظام المالي الأميركي وتخضع لضغوط الولايات المتحدة التي تستطيع فرض قواعد الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال والعقوبات وفق أهوائها، وليس أمام العراق سوى الامتثال.

 

فقد شهدت السنوات الأخيرة تشديدًا أميركيًا على التحويلات العراقية، خاصة لمنع تسرب الدولار إلى إيران وسورية، كما شهدت حجب التحويلات بحجة الدعم العراق لإيران وبحجة أن هناك فسادًا في منظومة النفط العراقية، وهو ما تحركت حكومة بغداد بالفعل للسيطرة عليه عبر اعتقال العشرات من النواب والسياسيين في قضية فساد النفط المستمرة حتى الآن.

 

وقد كشف مستشار الحكومة العراقية، القاضي منير حداد، عن أكبر عملية نهب في التاريخ، مؤكدا أن حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ غزوه عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز التريليوني دولار (أكثر من ألفي مليار دولار)، ما يعني أن الفساد ليس وليد اللحظة، وإنما منذ الاحتلال الأميركي للعراق والتحكم في إيرادات النفط.

 

وسبق لواشنطن أن استخدمت سلطتها المالية في حالات متعددة، وأشهر مثال هو تجميد أموال الحكومة الأفغانية بعد سيطرة حركة طالبان عام 2021، وفي العراق ورغم أن الولايات المتحدة لم تصادر أموال عائدات النفط، لكنها ظلت تسيطر عليها فعليا عبر: تأخير التحويلات، وإيقاف بعض العمليات المالية، وفرض عقوبات على بنوك عراقية، وهو ما يمنحها نفوذًا ماليًا كبيرًا ويجعل العراق – ضمنا - لا يسيطر على نفطه.

 

لهذا، لا تستطيع بغداد الوصول الفوري إلى هذه الأموال خارج هذه الآلية، بل تُنفذ التحويلات عبر الاحتياطي الفيدرالي وبالتنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية. ما يجعل واشنطن تتحكم في الرقابة على التحويلات بالزيادة والنقص، وتأخير إرسال شحنات الدولار النقدية إلى العراق، والضغط على بغداد كي تنفذ سياسات معينة تطالب بها واشنطن، أي تستخدم هذه الآلية أداةَ ضغط سياسية أو مالية في بعض الأزمات، وهو ما يثير جدلًا في العراق.

 

فالمنتقدون يرون أن هذه الآلية تمنح واشنطن نفوذًا ماليًا كبيرًا على العراق، لأن أهم مورد للدولة يمر عبر النظام المالي الأميركي، بينما تؤكد الحكومات العراقية أن هذه الآلية توفر حماية للاحتياطيات الأجنبية، وتسهّل التعاملات الدولية، وتحافظ على استقرار الدينار العراقي، ولا تعني ملكية الولايات المتحدة للأموال، بل قيامها بدور الجهة التي تُحفظ لديها الاحتياطيات وتُنفذ من خلالها التحويلات بالدولار.