دكتور عبد الله سيف
 
في عالم يُفترض أنه استقر على منظومة من القوانين والمواثيق الكونية عقب مخاض حروب عالمية مريرة، يجد المراقب اليوم نفسه أمام حقيقة تزداد عراءً يوماً بعد يوم؛ فالنظام الدولي الحالي ليس إلا منصة لعرض فيلم درامي ضخم، كُتبت حبكته، وحُددت أدوار أبطاله، ووُضعت نهايته مسبقاً في الغرف المظلمة لمراكز النفوذ العالمي. أما المبادئ الشاهقة التي يتغنى بها هذا النظام—كالعدالة، والنزاهة، وحقوق الإنسان، وحق تقرير المصير- فليست سوى آلهة من حلوى، يُسجد لها في أوقات الرخاء والتنظير، وتُؤكل بلا تردد عندما تتعارض مع المصالح السياسية أو الحسابات الاقتصادية للقوى الغربية.

 

هذه الانتقائية الفاضحة لم تعد حبيسة أروقة مجلس الأمن الدولي أو كواليس المؤسسات المالية العابرة للقارات، بل تغلغلت لتطال أدق تفاصيل الحياة اليومية، وصولاً إلى المستطيل الأخضر الذي شُيد تاريخياً كمتنفس للعدالة الرياضية والمنافسة الشريفة. ولعل ما شهدناه في مباراة مصر والأرجنتين الأخيرة في ثمن نهائي كأس العالم يمثل تكثيفاً مصغراً وصادماً لكيفية إدارة هذه المنظومة؛ فعندما وقف الإصرار والتكتيك العالي والانضباط لمنتخب طموح عقبة أمام بقاء "المنتج الأقوى تسويقياً" المتمثل في حامل اللقب ونجمه الأبرز، تحركت الآلة اللوجستية والتحكيمية بوعي أو بدون وعي لتهيئة سيناريو الإنقاذ.

 

لقد تجلى ذلك الانحياز في الاستخدام الانتقائي لتقنية الفيديو (VAR)؛ حيث صمتت الصافرة الفرنسية تماماً وتغاضت التكنولوجيا عن لقطة جذب واضحة لقميص حمدي فتحي وعرقلة لمحمد  صلاح في بداية الهجمة التي جاء منها هدف الفوز القاتل للتانجو، في حين انتفضت التقنية نفسها قبلها لإلغاء هدف مصري بداعي خطأ مشكوك فيه في بدء اللعبة. لم يكن هذا التباين خطأً بشرياً عفوياً بقدر ما كان تجسيداً لثقافة المركزية التي ترى في بقاء القوى التقليدية حتمية تسويقية وجماهيرية، بينما يُنظر إلى طموح الأطراف الأخرى كخروج مزعج عن النص المكتوب يجب تصحيحه، لتتحول الصافرة الرياضية إلى أداة لحماية مصالح البث والرعاية.

 

وإذا كان انحياز الصافرة في كرة القدم يثير سخط الجماهير، فإن انحياز "الصافرة السياسية" في الصراعات الدولية يزهق أرواح الملايين ويدمر شعوباً بأكملها. وهنا يبرز التباين الصارخ بين التعاطي الغربي مع الحرب في أوكرانيا من جهة، وحرب الإبادة المستعرة في قطاع غزة من جهة أخرى، ليمثل اللحظة التاريخية الكاشفة التي سقطت فيها ورقة التوت بالكامل عن الوجه الأخلاقي للنظام الدولي.

 

ففي الملف الأوكراني، انتفض الغرب دفاعاً عن القانون الدولي وسيادة الدول؛ ففُرضت العقوبات الاقتصادية المتصاعدة في غضون أيام، وعُزلت روسيا رياضياً وثقافياً وتكنولوجياً، بل واحتُفي بمقاومة الشعب الأوكراني باعتبارها حقاً مشروعاً وبطولة تستحق الدعم غير المحدود بالسلاح والمال. وحققت المؤسسات الرياضية العالمية قفزة بهلوانية فوق مبدأ "فصل الرياضة عن السياسة" المستقر منذ عقود، فمُنعت الأندية والمنتخبات الروسية من المشاركة، واكتست الملاعب باللونين الأصفر والأزرق بضوء أخضر من الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية

..

أما في غزة، حيث تُهدم أحياء كاملة فوق رؤوس ساكنيها ويُباد عشرات الآلاف من الأطفال والنساء على مرأى ومسمع من العالم، فقد انقلبت المعايير تماماً بدم بارد؛ حيث تحول حق المقاومة والدفاع عن الأرض إلى "إرهاب" يستوجب السحق، وتحول الحصار والتعطيش والتجويع إلى "حق مشروع في الدفاع عن النفس". ولم يهرع القادة الغربيون لفرض عقوبات على المعتدي أو عزله، بل تباروا في تزويده بالذخائر الذكية والغطاء السياسي والدبلوماسي، واستخدموا حق النقض (الفيتو) مراراً لإحباط أي قرار يطالب بوقف شلال الدم. وفي المفارقة الرياضية ذاتها، أصبحت الإشارة لفلسطين أو التضامن مع أطفالها في الملاعب الأوروبية والعالمية "مخالفة جسيمة" تستوجب الإيقاف والغرامة والشطب، وكأن الدم الفلسطيني خارج تصنيف البشرية التي تستحق التعاطف.

 

إن هذا التناقض الصارخ ليس تذبذباً عشوائياً في المواقف، بل هو سياسة بنوية ممنهجة تقوم على فرضية استعلائية مفادها أن الإنسان الغربي أو حليفه هو وحده المستحق للعدالة والقانون وحماية المنظومة الدولية، أما بقية شعوب العالم فهم مجرد "كومبارس" في فيلم يُراد لهم فيه أن يلتزموا بالقوانين حين تخدم مصلحة المركز، وأن يتقبلوا الهزيمة والإقصاء بصدر رحب إذا ما اقتضت سيناريوهات الأبطال ذلك.

 

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في خسارة مباراة أو انحياز سياسي في مجلس الأمن، بل في الانهيار الكامل للمصداقية الأخلاقية للمبادئ الإنسانية؛ فعندما تشهد الأجيال الصاعدة حول العالم أن القوانين تُفصّل على مقاس الأقوياء، وأن العقوبات تُفعل بحسب العرق والجغرافيا، يسقط الإيمان بالشرعية الدولية وتحل محله القناعة بأن القوة العارية هي الحَكَم الوحيد في هذا العالم. لقد سئمت شعوب الجنوب العالمي مشاهدة هذا الفيلم المعاد الذي وُضعت نهايته مسبقاً، وتدرك اليوم أن مواجهة هذه الازدواجية لا تبدأ بطلب العدالة من واضعي السيناريو، بل بالكفر بشرعيتهم الأخلاقية، والبدء في بناء توازنات ومؤسسات بديلة- سياسياً واقتصادياً ورياضياً- تُجبر الجميع على الانصياع لمعيار واحد حقيقي، وتُعلن للعالم أن زمن "آلهة العجوة" قد انتهى إلى غير رجعة.