تقدم عشرات العاملين بالشركة العامة لتجارة الجملة، في مصر، باستغاثة إلى رئيس الوزراء والأجهزة الرقابية، بسبب اتهامات بإهدار المال العام وحرمان موظفين من الحد الأدنى للأجور، لتتحول الشركة إلى ملف رقابي مفتوح.

 

في بلد يطحن الغلاء موظفيه، تكشف الاستغاثة أن الفساد لا يسرق المال العام وحده، بل يسرق كرامة العامل ورغيف المواطن، حين تصبح شركة تموينية قومية ساحة للخصومات والعقود الغامضة والتنكيل الإداري.

 

أجور ناقصة وغضب مكتوم

 

منذ البداية، وضعت الاستغاثة ملف الأجور في صدارة الاتهامات، بعدما قال العاملون إنهم لا يتقاضون الحد الأدنى المقرر قانونا، بينما تستمر خصومات شهرية غير مبررة من رواتبهم وسط أزمة معيشية خانقة.

 

وبالتالي، لم تعد الشكوى نزاعا داخليا بين موظفين وإدارة، بل صارت اتهاما مباشرا لمنظومة يفترض أن تحمي العمال، فإذا بها تتركهم يطرقون أبواب القضاء للحصول على حقوق ثابتة ومعلنة.

 

كما أن تعنت الإدارة في صرف العلاوات وضمها، بحسب الشكوى، فتح باب التقاضي أمام العاملين، وحول الحق المالي إلى معركة فردية مكلفة تستنزف الموظف بين أتعاب المحامين وانتظار الأحكام.

 

لذلك، يقرأ المحامي الحقوقي هيثم محمدين هذا النوع من الملفات باعتباره اعتداء على جوهر علاقة العمل، لأن تأخير الحقوق أو تعليقها يدفع العامل إلى تسوية قسرية مع الظلم بسبب الحاجة والخوف.

 

في المقابل، تبدو الشركة العامة لتجارة الجملة أكثر من كيان إداري، فهي ذراع تموينية مرتبطة بتأمين السلع، وحين يتآكل وضع العاملين داخلها، ينعكس ذلك على جودة الخدمة واستقرار منظومة التوزيع.

 

ومن ثم، يصبح حرمان الموظف من أجر عادل مدخلا لفشل أوسع، لأن العامل المحاصر بالخصومات والالتزامات لا يستطيع أداء دوره بكفاءة، خصوصا في مؤسسة ترتبط بالمخزون والبيع والسلع اليومية.

 

عقود مريبة ومال عام مستباح

 

غير أن الاستغاثة لم تقف عند الأجور، بل امتدت إلى اتهامات بإهدار المال العام، عبر استغلال سيارات الشركة في أغراض شخصية، وإبرام عقود توريد مع كيانات قالت الشكوى إنها صاحبة سوابق ومخالفات.

 

علاوة على ذلك، تحدث العاملون عن بضائع غير مطابقة للمواصفات، وتعاقد مع مصنع لتعبئة السكر يعاني من عجز في الأوزان، وتلاعب في منظومة صرف واستهلاك الوقود، بما يستدعي فحصا رقابيا عاجلا.

 

بناء على ذلك، لا تبدو المسألة مجرد أخطاء تشغيلية، بل شبكة قرارات تمس المال العام وسلامة السلع وثقة المواطنين، خصوصا أن الشركة تعمل في قطاع حساس يرتبط بالتموين والأسعار واحتياجات الفقراء.

 

ثم إن التعاقد المباشر لتقطيع اللحوم بمبلغ 9000 جنيه مع مجزر في البحيرة، رغم امتلاك الشركة فرعا مجهزا، يطرح سؤالا واضحا حول جدوى القرار ومن المستفيد من تعطيل الإمكانات الداخلية.

 

ولزيادة خطورة الملف، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن أي مؤسسة عامة تخسر كفاءتها بسبب سوء الإدارة تفتح الباب لمزيد من النزيف، لأن ضعف الرقابة يحول المورد العام إلى عبء على الدولة.

 

كذلك، يمثل تراجع المبيعات الذي رصده العاملون مؤشرا لا يجوز فصله عن ملف العقود، لأن انهيار الإيرادات مع تضخم الإنفاق الخارجي يخلق بيئة مثالية لإخفاء الفشل خلف قرارات إدارية مبهمة.

 

في السياق نفسه، تزداد خطورة الاتهامات لأن قانون التعاقدات العامة وضع قواعد للشفافية والمنافسة والمساواة، وأي تجاوز لهذه القواعد في شركة تموينية لا يضر الميزانية فقط، بل يضرب ثقة الجمهور.

 

وعليه، فإن فحص عقود التوريد والوقود واللحوم ليس مطلبا نقابيا محدودا، بل ضرورة لحماية المال العام، خصوصا مع وجود اتهامات محددة يمكن تتبعها بالمستندات والفواتير وسجلات الصرف والمخازن.

 

تعسف إداري وصرخة للرقابة

 

في محور آخر، اتهم العاملون الإدارة بتعيين عناصر تفتقر للخبرة دون مسابقات رسمية، وتخطي قوائم الانتظار، وتكليف أشخاص تحوم حولهم شبهات قانونية بمناصب قيادية، بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص.

 

بالمثل، كشفت الشكوى عن التعاقد مع عمالة تجاوزت السن القانوني للمعاش دون مبرر مهني واضح، وهي ممارسة تطرح شبهة المجاملة الإدارية في مؤسسة يفترض أن تعمل وفق احتياج حقيقي ومعلن.

 

من ناحية أخرى، تحدث العاملون عن إيقاف موظفين لمدة شهرين وصدور قرارات فصل تعسفي بحق آخرين، دون تحقيقات قانونية عادلة، بما يحول الإدارة من جهة تنظيم إلى أداة عقاب وإخضاع.

 

إضافة إلى ذلك، يرى المحامي الحقوقي خالد علي أن الفصل أو الإيقاف دون ضمانات تحقيق وإخطار ودفاع يمثل انتهاكا لحق العامل في الأمان الوظيفي، خصوصا حين يرتبط بالإبلاغ عن فساد أو اعتراض إداري.

 

مع ذلك، لا يمكن عزل التنكيل عن بقية الاتهامات، لأن الإدارة التي تضغط على العاملين قد تمنعهم من كشف المخالفات، وتجعل الخوف بديلا عن الرقابة الداخلية داخل شركة تمس حياة المواطنين.

 

ولذلك، جاءت الاستغاثة موجهة إلى رئيس الوزراء ووزير التموين ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، لا باعتبارها شكوى مرتبات فقط، بل بلاغا عن انهيار منظومة إدارة داخل صرح تمويني مملوك للدولة.

 

فضلا عن ذلك، يطالب العاملون بتشكيل لجنة فنية وإدارية ورقابية لفحص ملفات الشركة، ومراجعة العقود، ودراسة أسباب تراجع المبيعات، والتحقق من أوضاع العاملين المادية والإجراءات العقابية بحقهم.

 

في المحصلة، تكشف الاستغاثة وجها مزدوجا للأزمة، موظفون محرومون من حقوقهم، ومال عام مهدد بعقود وقرارات مشبوهة، وإدارة متهمة بالتنكيل، بينما المواطن ينتظر سلعا تموينية تليق بحقه وكرامته.

 

أخيرا، لا يملك المسؤولون ترف الصمت أمام هذه الاتهامات، فإما إعلان نتائج فحص شفاف ومحاسبة المقصرين، أو ترك الشركة تغرق في نزيف إداري ومالي يدفع ثمنه العاملون والمواطنون معا.