فتح الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، اليوم الإثنين، ملف مسابقة الهيئة القومية للبريد، بعد تقدم أكثر من 260 ألف مواطن لشغل 2700 وظيفة، وانتهاء الاختبارات، لتبقى النتيجة تعييناً مؤجلاً وغموضاً مفتوحاً.
وبينما تتحدث الحكومة عن تمكين الشباب وتكافؤ الفرص، يعيش آلاف الناجحين وأسرهم قلقاً قاسياً، لأن الدولة التي أعلنت المسابقة وأنهت الاختبارات تركت أصحاب الحق أمام صمت إداري يبدد الثقة ويعمق الإحباط.
إضافة إلى ذلك، لا تقف الأزمة عند تأخير إداري عابر، بل تكشف طريقة حكم كاملة، تعلن الوظائف أمام الشباب، تجمع أحلامهم وبياناتهم واختباراتهم، ثم تتركهم بلا موعد ولا تفسير ولا احترام لنتائج معلنة.
مسابقة معلنة ونتيجة معلقة
أعلن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة في 2024 مسابقة لشغل 900 وظيفة بالهيئة القومية للبريد، قبل رفع العدد إلى 2700 وظيفة، وسط إقبال واسع تجاوز 260 ألف متقدم من مختلف المحافظات.
وبالتالي، لم تكن المسابقة محدودة الأثر، بل أصبحت ملفاً اجتماعياً واسعاً، لأن كل متقدم كان يمثل أسرة تنتظر فرصة مستقرة في سوق عمل ضيق، ودولة تكثر شعارات التشغيل وتقلل أبواب اليقين.
كما انتهت الاختبارات الإلكترونية بإعلان النتائج في أغسطس 2025، وأعلن نجاح 2700 متسابق، إلى جانب إدراج آخرين على قوائم الانتظار، وهي لحظة كان يفترض أن تفتح باب الإجراءات التنفيذية فوراً.
غير أن ما حدث بعد إعلان النتائج كان صمتاً إدارياً ثقيلاً، فلا مواعيد مقابلات، ولا بيان واضح عن تسلم العمل، ولا جدول زمني يشرح للناجحين أين تقف المسابقة ولماذا تعطلت.
ومن ثم، تحول النجاح الرسمي إلى ورقة معلقة، وصار الشباب الذين اجتازوا الاختبارات في وضع أسوأ من الراسبين، لأنهم يحملون أملاً قانونياً بلا تنفيذ، وينتظرون قراراً لا يعرفون موعده.
كذلك، يزيد الغموض من قسوة المشهد، لأن المسابقة جرت عبر بوابة حكومية رسمية، وتحت إشراف جهاز يقول إنه يعتمد معايير الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص في مركز تقييم القدرات والمسابقات.
لذلك، يصبح السؤال موجهاً إلى الحكومة لا إلى المتقدمين، فما قيمة الامتحان الإلكتروني والنتيجة الرسمية إذا كانت الدولة عاجزة عن إعلان الخطوة التالية أو إلزام جهاتها بجدول تعيين واضح.
وفوق ذلك، فإن مقارنة هذه المسابقة بمسابقات حكومية أخرى اكتملت إجراءاتها رغم إعلانها في توقيت لاحق، تجعل التأخير أكثر استفزازاً، وتفتح الباب لأسئلة مشروعة عن المعيار والانتقائية وغياب المحاسبة.
قوائم انتظار مهددة وشباب يبحثون عن إجابة
حذر البياضي من اقتراب انتهاء مدة سريان قوائم الانتظار، المحددة بعام واحد من تاريخ إعلان النتيجة، ما يعني أن أغسطس 2026 قد يتحول إلى موعد ضياع حقوق بسبب تأخير لا دخل للمتقدمين به.
بناءً على ذلك، لا يواجه المدرجون على قوائم الانتظار مجرد بطء إداري، بل خطر سقوط قانوني لفرصة حصلوا عليها بموجب نتيجة معلنة، بينما تتفرج الحكومة على الزمن وهو يلتهم حقوقهم.
إلى جانب ذلك، تبدو المسألة أكثر خطورة لأن أصحاب القوائم الاحتياطية لم يطلبوا استثناءً، بل ينتظرون احترام قواعد مسابقة حكومية، فإذا انتهت مدة القوائم دون استكمال الإجراءات فالضرر تتحمله الإدارة لا الشباب.
في هذا السياق، يبرز تصريح صالح الشيخ، رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، عند إعلان النتائج، حين أكد أن الامتحانات أجريت وفق أحدث النظم والمعايير لضمان الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص.
وعليه، فإن الشفافية لا تكتمل عند إعلان النتيجة فقط، بل تبدأ أهميتها الحقيقية بعدها، عندما تلتزم الدولة بتفسير التأخير، وحماية الناجحين، ومنع ضياع فرص الانتظار بسبب بطء الأجهزة.
من ناحية أخرى، يشير كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، في مواقفه العمالية إلى أن الحق في العمل والأجر العادل لا ينفصل عن الكرامة الاجتماعية وحماية الأسر من الفقر.
وبهذا المعنى، فإن تأخير تعيين 2700 شاب لا يعني تأجيل أوراق إدارية، بل يعني تعطيل دخول منتظرة، وتعليق خطط زواج، وتأجيل إنفاق أسر، ودفع شباب إلى دائرة إحباط يومي بلا ذنب.
أما الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار، فقد نبه في حديثه عن البطالة إلى الفجوة بين مخرجات التعليم وفرص العمل، وإلى تراكم عجز الحكومات عن خلق أماكن تكفي ملايين الخريجين سنوياً.
برلمان يسأل وحكومة مطالبة بالحسم
رغم أن طلب الإحاطة تحرك رقابي مهم، فإنه يكشف في الوقت نفسه أن البرلمان لا يتحرك غالباً إلا بعد تراكم الغضب، بينما المطلوب رقابة مبكرة تمنع تحول المسابقة إلى أزمة عامة.
ثم إن توجيه الطلب إلى رئيس الوزراء ووزير الاتصالات يعني أن المسؤولية سياسية قبل أن تكون إجرائية، لأن البريد هيئة حيوية، والتعيينات فيها ترتبط بخطة تشغيل معلنة لا يجوز دفنها في المكاتب.
ولذلك، فإن أول مطلب عادل هو إعلان الأسباب الحقيقية للتأخير، لا الاكتفاء بعبارات مطاطة عن الإجراءات والتنسيق، لأن الشباب الذين اجتازوا المسابقة يستحقون إجابة محددة من جهة محددة.
إضافة إلى ذلك، يجب إعلان جدول زمني ملزم للمقابلات واستكمال الكشف واستلام العمل، مع نشر آلية واضحة لحماية قوائم الانتظار، حتى لا يتحول قرب انتهاء مدتها إلى عقوبة جماعية.
كما يجب أن تتحمل الحكومة مسؤولية أي تأخير صدر من أجهزتها، فلا يجوز أن يدفع المتقدم ثمن بطء إداري أو خلاف بين جهات، بعدما التزم بالشروط ودخل الاختبارات وانتظر النتيجة.
في المقابل، فإن استمرار الصمت يضرب مصداقية بوابة الوظائف الحكومية نفسها، لأن المنصة التي تعلن المسابقات وتستقبل الطلبات لا تستطيع بناء ثقة عامة إذا انتهت نتائجها إلى فراغ.
هكذا، تتحول مسابقة البريد إلى اختبار كاشف للدولة، فإما أن تثبت أن المسابقات العامة طريق نزيه للتعيين، وإما أن تؤكد أن الشفافية تنتهي عند شاشة النتيجة ولا تصل إلى باب العمل.
وفي النهاية، لا يطلب الشباب مجاملة ولا استثناء، بل يطلبون احترام نتيجة حكومية معلنة، وجدولاً زمنياً واضحاً، وحماية لقوائم الانتظار، ومحاسبة لصمت إداري يحول الأمل إلى قلق والغضب إلى فقدان ثقة.

