فجرت استغاثة مواطن من قرية الهجارسة بمحافظة الشرقية غضباً واسعاً، بعدما حذر من تهديد أكثر من 2000 فدان بالتبوير بسبب انسداد الترعة بالمخلفات، فجاء رد وزير الري هاني سويلم بتوبيخ الأهالي بدل مساءلة منظومة القمامة.

 

وفي بلد يطارد الفلاح بين الغلاء والعطش وغياب الخدمات، بدت الواقعة كاشفة لا عابرة، فالوزير لم يسأل أين عربات القمامة، ولا أين المحليات، بل عاتب المواطن الذي صرخ لأن أرضه تموت أمام عينيه.

 

وبالتالي تحولت ترعة الهجارسة إلى مشهد سياسي كامل، فالأرض عطشى، والقمامة تسد مجرى المياه، والفلاح يستغيث، والوزارة ترد بمنطق المنّ، كأن إزالة المخلفات من الترع صدقة لا واجب دولة.

 

كما أن نص رد الوزير كشف الأزمة بوضوح، حين قال إنه سيرسل لإزالة القمامة من ميزانية الدولة التي هي فلوسه وفلوس المواطنين، متجاهلاً أن هذه الميزانية أصلاً مخصصة لحماية الخدمات العامة.

 

ومن ثم يصبح السؤال الحقيقي ليس من ألقى المخلفات فقط، بل من ترك القرى بلا منظومة جمع قمامة منتظمة، ومن جعل الترع مصارف بديلة، ومن حول الفلاح إلى متهم دائم كلما طلب حقه.

 

 

من استغاثة الأرض إلى توبيخ الوزير

 

بدأت القصة بمقطع مصور لمواطن يستغيث من انسداد ترعة الهجارسة، قائلاً إن الأرض ستبور، وإن أكثر من 2000 فدان مهددة بسبب تراكم القمامة ومنع المياه عن الأراضي الزراعية في المنطقة.

 

لذلك انتشر الفيديو سريعاً، لأنه لم يعبر عن شكوى فردية فقط، بل لامس أزمة ريفية مزمنة، حيث يعيش الفلاح بين نقص المياه وتدهور المصارف وارتفاع كلفة الإنتاج وغياب الاستجابة المحلية قبل الانفجار.

 

غير أن رد وزير الري لم يذهب إلى أصل الكارثة، بل اختار مخاطبة المواطن بنبرة اتهام، قائلاً إنه رمى الزبالة وسد الترعة ومنع المياه عن أرضه وزرعه وأرض غيره ثم اشتكى.

 

وعلاوة على ذلك، قال الوزير إنه لا يرتاح وسينشر الفيديو بنفسه، ثم أضاف أن المياه لو وصلت ستكون ملوثة، وأنه لا يعرف أي ظلم يقصده المواطن، في صياغة أقرب للمحاكمة العلنية.

 

بناء على ذلك، ظهر الوزير كمن يمنّ على الفلاح بإرسال معدات إزالة القمامة، لا كمسؤول عليه ضمان جريان المياه ونظافة المجاري المائية وحماية الزراعة من التلوث والتبوير والشلل الإداري.

 

في المقابل، لم يسأل الخطاب الرسمي عن غياب المحليات، ولا عن شركات النظافة، ولا عن نقاط جمع المخلفات، ولا عن العقوبات على المتسببين، بل وضع المواطن في مواجهة مباشرة مع الدولة.

 

 

القمامة مسؤولية حكومة لا عقوبة فلاح

 

غير أن القمامة في الترع ليست مشكلة سلوكيات فردية فقط، بل نتيجة فشل خدمي منظم، لأن المواطن لا يرمي المخلفات في المجاري المائية عندما يجد منظومة جمع منتظمة ورقابة يومية ومحاسبة واضحة.

 

كما أن القرى المصرية لا تملك غالباً رفاهية خدمات نظافة محترمة، فغياب العربات والحاويات والنقل الدوري يدفع المخلفات إلى أطراف الطرق والترع، ثم تأتي الدولة لتتهم الأهالي بفساد السلوك.

 

ومن ناحية أخرى، فإن تحميل الفلاح كلفة الإزالة من ميزانية الدولة خطاب مقلوب، لأن الدولة لا تفعل معروفاً حين تنظف الترعة، بل تنفق أموال الضرائب على خدمة أساسية كان يجب منع انهيارها.

 

لزيادة خطورة المشهد، فإن تلوث الترع لا يضر الفلاح وحده، بل يضرب صحة السكان والمحاصيل والحيوان والتربة، ويحول مياه الري إلى مصدر مرض، ثم تدفع الأسر الفقيرة فاتورة العلاج والغذاء معاً.

 

وقد أكد الدكتور نادر نور الدين في طرحه المتكرر عن إدارة المياه أن ترشيد الاستخدام لا ينفصل عن الصيانة والرقابة ودعم الفلاح، لأن الري الحديث وحده لا يكفي عندما تنهار الخدمات المساندة.

 

كذلك يرى الدكتور عباس شراقي أن الموارد المائية المصرية لا تتحمل الهدر والتلوث، خصوصاً أن الزراعة تستهلك النصيب الأكبر من المياه، ما يجعل حماية الترع مسألة أمن غذائي لا حملة موسمية.

 

أما الدكتور محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، فيربط إدارة المياه بالحوكمة والمحاسبة، لأن أي خطة فنية تسقط عندما تغيب المسؤولية بين الوزارة والمحليات والجهات الرقابية وتتحول الترعة إلى مكب مفتوح.

 

لذلك فإن تفعيل المنشور رقم 1 لعام 2026 لا ينبغي أن يوجه لمهندسي الري وحدهم، بل يجب أن يطول منظومة القمامة والمحليات والمخالفين، وإلا تحول الحزم إلى عقوبة على الأضعف.

 

 

ترعة الهجارسة وفضيحة الإدارة المحلية

 

في الواقع، كشفت الواقعة أن الري لا يستطيع العمل منفرداً إذا بقيت المحليات غائبة، لأن تطهير الترعة اليوم لن يمنع امتلاءها غداً بالمخلفات، ما لم توجد خدمة جمع قمامة منتظمة في القرى.

 

ثم إن حديث الوزير عن إزالة القمامة قبل أيام ثم عودتها يؤكد فشل الحل الموسمي، فالمشكلة ليست ونشاً ومعدة تطهير فقط، بل دورة كاملة تبدأ من البيت والشارع وتنتهي بمقلب رسمي آمن.

 

ومن هنا، لا يصح أن يتعامل المسؤول مع استغاثة الفلاح كإهانة شخصية لموظفي الري، لأن المواطن حين يصرخ لا يهاجم الوزارة بالضرورة، بل يطالب دولة كاملة بأن تعمل قبل أن يموت زرعه.

 

كذلك لا يجوز أن تتحول منصة الوزير إلى ساحة توبيخ علني للمواطنين، فالسلطة التنفيذية مطالبة بالإنصات والتحقيق وحل الخلل، لا بإعادة نشر الشكوى لإدانة صاحبها وتحويل الغضب الشعبي عليه.

 

فضلاً عن ذلك، فإن ترعة تخدم آلاف الأفدنة تحتاج جدول تطهير منشوراً، ونقاط مراقبة، ومحاضر فورية ضد إلقاء المخلفات، وتنسيقاً بين الري والمحليات والبيئة، لا ردوداً ساخنة بعد انتشار الفيديو.

 

وعليه، فإن السؤال الذي تهرب منه رواية الوزير هو أين عربات القمامة، وأين المجلس المحلي، وأين المحافظ، وأين شرطة المرافق، وأين منظومة تلزم كل قرية بمسار واضح للتخلص من المخلفات.

 

وفي المحصلة، الفلاح ليس خصماً للوزارة، بل ضحية مزدوجة، يدفع ثمن غياب النظافة حين تسد القمامة ترعته، ويدفع ثمن خطاب رسمي يتهمه حين يطلب الماء لأرضه وأكل عياله.

 

لذلك يجب أن تبدأ المعالجة بتطهير عاجل لترعة الهجارسة، ثم تحقيق إداري في غياب منظومة جمع القمامة، ثم إعلان خطة رقابية، ثم محاسبة كل جهة تركت 2000 فدان تحت تهديد العطش.

 

في النهاية، لم تكن المشكلة أن وزير الري تفاعل سريعاً، بل أنه تفاعل بعقلية لوم المواطن لا مساءلة الدولة، بينما القضية أبسط وأخطر: القمامة مسؤولية حكومة، والمياه حق فلاح، والكرامة ليست منحة.