دانت البحرين بأشد العبارات، فجر السبت، استهداف أراضيها بعدد من الطائرات المسيرة الإيرانية، معتبرة الهجوم انتهاكاً صارخاً لسيادتها وتهديداً مباشراً لأمن المواطنين والمقيمين، في تطور يهدد بإشعال جبهة خليجية جديدة وسط تصعيد أمريكي إيراني متسارع.
وجاء الهجوم بينما تتحدث العواصم الإقليمية والدولية عن خفض التصعيد، ما جعل المنامة ترى في الاعتداء رسالة إيرانية مضادة لأي تهدئة، ومحاولة لفرض منطق القوة على حساب القانون الدولي وأمن المدنيين.
وأكدت وزارة الخارجية البحرينية أن استهداف أراضي المملكة يمثل خرقاً واضحاً للأعراف والمواثيق التي تحظر ضرب الأعيان المدنية وترويع المدنيين، مشددة على أن أمن البحرين واستقرارها ليسا مساحة مفتوحة للابتزاز العسكري.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن استهداف البحرين لم يكن تفصيلاً عابراً، لأن المملكة تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي وكانت من أبرز الأصوات الخليجية المنتقدة لطهران خلال موجة التصعيد الأخيرة.
عدوان على السيادة ورسالة تهديد للخليج
وصفت المنامة الهجوم بأنه عدوان آثم يعكس نهجاً إيرانياً قائماً على زعزعة الأمن الإقليمي وتصدير الفوضى، مؤكدة أن استمرار الاعتداءات يضع طهران أمام مسؤولية مباشرة عن تقويض مساعي السلام.
ولم تكتف البحرين بالإدانة السياسية، بل ربطت الهجوم بتحد مباشر للإرادة الدولية، مستحضرة قرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، الذي قالت إن 136 دولة دعمته بوصفه تعبيراً واسعاً عن إجماع دولي.
كما شددت الخارجية البحرينية على أن الاعتداء يتناقض مع مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في 17 يونيو 2026، والتي تضمنت وقفاً دائماً للعمليات العسكرية واحترام سيادة دول المنطقة.
ويكشف هذا الربط البحريني بين الهجوم والقرار الدولي والمذكرة السياسية أن المنامة لا تريد حصر الواقعة في خانة حادث عسكري، بل تحويلها إلى ملف مساءلة أمام مجلس الأمن والمجتمع الدولي.
ويأتي ذلك في لحظة شديدة الحساسية، إذ تقول رويترز إن إيران والولايات المتحدة تتبادلان الاتهامات بانتهاك اتفاق مؤقت هدفه إنهاء حرب استمرت 4 أشهر، ما يجعل أي ضربة جديدة قابلة لتوسيع دائرة المواجهة.
في المقابل، قالت إيران إنها استهدفت مواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية رداً على ما وصفته بضربات أمريكية بربرية ضد منشآت مراقبة ساحلية، بينما لم تحدد الخارجية الإيرانية مواقع هذه الهجمات بدقة.
وتشير هذه الرواية الإيرانية إلى أن طهران تحاول تقديم ضرباتها باعتبارها دفاعاً مضاداً، غير أن استهداف أراضي دولة خليجية ذات سيادة يضعها في مواجهة اتهام مباشر بتوسيع ساحة الصراع خارج نطاق المواجهة الأمريكية الإيرانية.
هرمز بين النار والملاحة الدولية
بدأ التصعيد الأخير من مضيق هرمز، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها شنت ضربات على إيران يوم 26 يونيو، رداً على هجوم إيراني بطائرة مسيرة على سفينة تجارية كانت تعبر المضيق.
وقالت القيادة المركزية إن الطائرات الأمريكية استهدفت مواقع تخزين صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، إضافة إلى مواقع رادار ساحلية، بعد استهداف السفينة السنغافورية إم في إيفر لافلي يوم 25 يونيو.
واعتبرت واشنطن أن الهجوم الإيراني على الشحن التجاري انتهاك واضح لوقف إطلاق النار، مؤكدة أن السلوك الإيراني يقوض حرية الملاحة في ممر دولي حيوي تمر عبره كميات ضخمة من الطاقة والتجارة.
وبحسب أسوشيتد برس، تعرضت سفينة أخرى لهجوم في المضيق يوم السبت، بينما أعلنت هيئة بحرية متعددة الجنسيات تشرف عليها البحرية الأمريكية توسيع مسار قرب سواحل عمان لاستيعاب حركة الدخول والخروج.
هذا التطور يفتح باباً جديداً للتوتر، لأن إيران تصر على أن السفن يجب أن تلتزم بتعليماتها داخل المضيق، بينما ترفض الولايات المتحدة ودول الخليج أي محاولة لفرض سيطرة أو رسوم على الممر الدولي.
وتؤكد رويترز أن مضيق هرمز كان يمر عبره نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديداً اقتصادياً دولياً.
ومع تحذيرات بحرية من وجود ألغام وارتفاع التهديدات للسفن، يتحول المضيق من ممر تجاري إلى ورقة ضغط جيوسياسية، تستخدمها طهران للردع، بينما تستخدمها واشنطن لتأكيد حماية الملاحة والتحالفات الخليجية.
وهنا تصبح البحرين جزءاً من معادلة أوسع من حدودها الجغرافية، لأنها ليست فقط دولة مستهدفة، بل نقطة ارتكاز عسكرية وسياسية في شبكة الردع الأمريكية داخل الخليج.
من التهدئة إلى خطر الانفجار
رغم أن المنطقة بدت متجهة نحو ترتيبات دبلوماسية لخفض التصعيد، جاءت هجمات السبت لتكشف هشاشة التفاهمات، خصوصاً أن كل طرف يتهم الآخر بانتهاك وقف إطلاق النار، ويقدم رده العسكري بوصفه دفاعاً مشروعاً.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن واشنطن التزمت بوقف إطلاق النار، وإن على إيران الاتصال إذا كانت لديها خلافات بشأن تطبيق مذكرة التفاهم، مضيفاً أن العنف سيقابل بالعنف.
في المقابل، ترى طهران أن الضربات الأمريكية على مواقعها الساحلية كسرت الاتفاق وانتهكت ميثاق الأمم المتحدة، وهو خطاب يمنحها غطاءً سياسياً داخلياً لتبرير الرد، لكنه يزيد قلق الدول الخليجية.
أما البحرين، فقد أكدت احتفاظها بحقها المشروع في الدفاع عن سيادتها وأمنها واستقرارها وفق القانون الدولي، ودعت مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته في تنفيذ قراراته ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
وتحمل هذه الدعوة رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى إيران بأن استهداف البحرين لن يمر كحادث عابر، والثانية إلى المجتمع الدولي بأن الاكتفاء ببيانات القلق لم يعد كافياً أمام تمدد الهجمات.
وتزداد خطورة المشهد لأن التصعيد لا يتحرك في اتجاه واحد، فهناك ضربات على سفن، ورد أمريكي على منشآت إيرانية، ثم استهداف للبحرين، مع بقاء احتمال الحسابات الخاطئة قائماً في كل لحظة.
لذلك، تبدو الأزمة الحالية اختباراً قاسياً لقدرة الخليج على حماية سيادته دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، واختباراً مماثلاً لجدية واشنطن وطهران في تحويل التفاهمات الورقية إلى التزامات ميدانية.
وفي النهاية، فإن هجوم المسيرات على البحرين لا يخص المنامة وحدها، بل يضع أمن الخليج والملاحة الدولية أمام سؤال حاسم: هل تنجح الدبلوماسية في كبح النار، أم يتحول هرمز إلى شرارة حرب أوسع.

